الأخبار
أخر الأخبار

صدى الغياب في مآذن الدمار: غزة تستقبل رمضان بقلوب مكلومة وأصوات أئمة غيّبها الثرى

غزة_ الوعل اليمني

يحلّ شهر رمضان على قطاع غزة هذا العام مثقلاً بغيابٍ موجع، إذ تفتقد المساجد مئات الأصوات التي اعتادت أن تفتتح لياليه بنداء الإيمان وتختتم أيامه بخطب الصبر والرجاء. لم يعد كثير من الأئمة والخطباء والوعاظ الذين شكّلوا وجدان الناس وحملوا على عاتقهم مسؤولية الوعظ والإرشاد وتعزيز السلم المجتمعي بين أهلهم وأحيائهم، حاضرين في محاريبهم. فخلال عامين من الحرب، غيّبت الغارات 312 خطيبًا وإمامًا وواعظًا ومُحفّظًا للقرآن، وفق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة، ليأتي رمضان هذا العام مختلفًا في ملامحه، حزينًا في تفاصيله، ومحمّلًا بذكريات من رحلوا.

ولم يكن الغياب معنويًا فحسب، بل طال المكان ذاته. فقد دُمّر 1050 مسجدًا بشكل كلي، وتضرر 191 مسجدًا بشكل جزئي، من أصل 1275 مسجدًا كانت قائمة قبل الحرب. وهكذا، تبدّلت صورة الشهر الفضيل؛ فبدل أن تتلألأ المآذن بأنوارها، ارتفعت فوق أنقاضها خيامٌ من خشبٍ ونايلون، يقيم فيها الأهالي صلواتهم بين الركام والجدران المتصدعة. وعلى الرغم من مشاهد الدمار التي طالت نحو 90 في المئة من البنية التحتية المدنية، يصرّ الغزيون على أن يبقى الأذان حاضرًا ولو من فوق الركام، وأن تبقى التراويح قائمة ولو في مراكز الإيواء.

وفي هذا السياق، يؤكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن ما جرى لم يقتصر على استهداف أبنية، بل طال “رموزًا دينية واجتماعية كانت تؤدي دورًا محوريًا في ترسيخ القيم الروحية وتعزيز السلم المجتمعي”. ويضيف أن الفلسطينيين يفتقدون في رمضان “عشرات الأصوات التي كانت تُحيي لياليه وتملأ مساجده خشوعًا وإيمانًا”، مشيرًا إلى أن الخسائر الأولية المباشرة للقطاع الديني تُقدّر بنحو مليار دولار، فضلًا عن تجريف مقابر واستهداف دور عبادة. وبرأيه، فإن استهداف رجال الدين والأعيان الدينية يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، غير أن ذلك “لن ينجح في كسر إرادة الشعب أو طمس هويته الحضارية والدينية”.

وإلى جانب الخسائر في المساجد، تكبّدت الطوائف المسيحية في غزة خسائر بشرية أيضًا، إذ قُتل 20 مسيحيًا جراء استهداف دور العبادة، في مشهد يعكس حجم الضرر الذي طال النسيج الديني والاجتماعي بأكمله. ومع ذلك، يواصل الفلسطينيون أداء صلواتهم وإحياء شعائرهم، في تأكيد متجدد على تمسكهم بحقهم في العبادة وممارسة طقوسهم الدينية، رغم الألم والفقدان.

ومن بين الأسماء التي غابت عن منابرها وبقيت حاضرة في ذاكرة الناس، يبرز الداعية يوسف سلامة، أحد أبرز علماء الدين في فلسطين، الذي تنقل بين الإمامة والعمل الإداري حتى تولّى منصب وزير الأوقاف، وكان خطيبًا في المسجد الأقصى لسنوات طويلة. استُشهد سلامة في غارة استهدفت منزله في مخيم المغازي أواخر عام 2023، ليخسر المصلّون صوتًا اعتادوا سماعه في الجمع والمواسم.

كما فقدت غزة الداعية وائل الزرد، إمام المسجد العمري الكبير، الذي عُرف بخطبه المؤثرة وعمله الأكاديمي في الجامعات المحلية، بعد أن استُهدف منزله في أكتوبر 2023 وتوفي متأثرًا بجراحه. ولم يكن وليد عويضة، مدير عام التحفيظ في وزارة الأوقاف وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بعيدًا عن المصير ذاته، إذ قُتل في قصف استهدف منزله بحي الصبرة في نوفمبر 2024، بعد مسيرة علمية تركت أثرًا واسعًا في مجال تعليم الحديث الشريف وعلومه.

أما الداعية نائل مصران، الذي عُرف بخطبه التي حثت على الصبر والثبات طوال 600 يوم من الحرب، فقد استُشهد مع عائلته في غارة استهدفت خيمته في خان يونس في مايو 2025، بعدما جمع بين دراسة الهندسة المدنية والتخصص في الشريعة وأصول الفقه. وبرحيله، خسر المصلّون صوتًا ظل يرافقهم في أشد اللحظات قسوة.

وبين فقدان الأصوات وخراب المنابر، يمضي رمضان في غزة هذا العام مختلفًا في شكله، لكنه ثابت في جوهره. صحيح أن 312 خطيبًا وإمامًا غابوا عن محاريبهم، وأن مئات المساجد صارت أثرًا بعد عين، غير أن مشهد المصلين وهم يفترشون الأرض بين الأنقاض، ويرفعون الدعاء تحت سقف السماء المفتوح، يختصر حكاية شعب يتمسك بإيمانه رغم كل شيء. وهكذا، يبدو رمضان في غزة أقل ضجيجًا بالمواعظ، وأكثر امتلاءً بالدموع، لكنه لا يزال شاهدًا على أن الإيمان، مهما اشتد عليه القصف، يجد طريقه ليبقى.

زر الذهاب إلى الأعلى