مقالات
أخر الأخبار

“غزّة لاند” باعتبارها ولاية أميركية

وائل قنديل

مع تدشين “الشركة القابضة على غزّة” برئاسة دونالد ترامب ومجموعة مساعديه داخل البيت الأبيض، يكون العرب قد أعلنوا انسحابهم رسمياً من ملفّ غزّة واستقالتهم من القضية الفلسطينية، والاكتفاء بدور ضيوف الشرف على مائدة اللئام الأميركية؛ فيتولّى البيت الأبيض عملية انتداب (وتعيين) الأشخاص الذين يرضى عنهم فيما يسمّى “مجلس السلام”، الذي يتصرّف في غزّة بوصفه اتحاد الملّاك والسلطة الحاكمة والإدارة الفنّية.

هل قدّمت غزّة نحو سبعين ألف شهيد في معركة المصير حتى ينتهي بنا المطاف إلى قراءة عناوين من نوعية: “البيت الأبيض يقرّر تعيين هذا الوزير أو ذاك المسؤول العربي ضمن أعضاء المجلس التنفيذي للسلام في غزّة”؟

هل هان العرب على أنفسهم، وهانت فلسطين على العرب، إلى الحدّ الذي يصبح معه غير مسموح لأيّ دولة عربية بالاقتراب من الشؤون الفلسطينية إلا بترخيص أو موافقة أو استدعاء من جانب “ملك غزّة” ومالكها وحاكمها المطلق دونالد ترامب؟السؤال ليس للأنظمة العربية فقط، بل معنيٌّ به قبلهم رفاق يحيى السنوار وإسماعيل هنية ومحمّد الضيف وطابور شهداء العدوان الإسرائيلي – الأميركي على الشعب الفلسطيني: كيف ولماذا وافقوا على تجرّع سموم شرم الشيخ بهذه السهولة؟ وتحت أيّ مسوّغٍ يصمتون على حرق المراحل والذهاب رأساً إلى الغاية النهائية والوحيدة لما اشتُهرت بـ”خطّة ترامب”: نزع السلاح وإنهاء المقاومة الفلسطينية، مشروعاً وفكراً وحقّاً من الحقوق المشروعة لأيّ شعب يكابد احتلالاً؟يضمّ مجلس سلام ترامب كل صقور الإدارة الأميركية الموالين للكيان الصهيوني، وهم على كل لون: جنرالات حرب وحاخامات من المنحازين لمشروع “أسرلة كل فلسطين وتهويدها”.

ومن المفترض، بحسب التشكيل المُعلَن، أن يعاونهم ويعمل تحت إدارتهم ووصايتهم مسؤولون عربٌ من اختيار ترامب شخصياًَ؛ وهو الذي كان قد تمنّى، قبل عدة أشهر، أن تنتقل إليه ملكية غزّة لكي يجعل منها “ريفيرا الشرق الأوسط”.

وها هو يعلن الآن شروط وأسعار العضوية في “مجلس السلام”، فيكون لزاماً على كل دولة ترغب في العضوية الدائمة أن تدفع مليار دولار، بحسب مسودّة ميثاق اطّلعت عليها وكالة بلومبرغ. وتقضي المسودة بأن يتولّى ترامب رئاسة المجلس بصفته الرئيس الأول له، مع احتفاظه بصلاحية تحديد الدول المدعوّة للعضوية، على أن تُتخذ القرارات بأغلبية الأصوات، فيكون لكل دولة عضو صوت واحد، لكنّها تبقى خاضعةً في جميع الأحوال لموافقة الرئيس، الذي سيكون كذلك حامل الختم الرسمي للمجلس.الكلام عن عضوية دائمة في مجلس ترامب ينسف تماماً أكذوبة الإدارة المؤقّتة لإحداث التنمية وإحلال السلام، كما زعم ترامب في طرحه الأول للمشروع مع انعقاد مؤتمر شرم الشيخ الذي حصل من خلاله على تفويض من ثماني دول عربية وإسلامية بالتصرف في ملفّ غزّة.

إذ كانت مسودة الوثيقة الأميركية تتحدّث عن مجلس لحكم غزّة وتوفير الأمن بها حتى نهاية العام 2027، أما الآن فالمُعلَن صراحةً أن وصاية البيت الأبيض على غزّة ستكون دائمةً لا نهاية لها؛ ما يعني أن تصوّر ترامب لمستقبل غزّة يشبه تصوّره لمستقبل جزيرة معزولة في أقصى القطب الشمالي مثل “غرينلاند” يريد امتلاكها وضمّها إلى الجغرافيا الأميركية.

والحال كذلك، لا معنى لهذه الصيغ والشروط كلّها سوى أن غزّة بيعت إلى دونالد ترامب مجّاناً، وفوقها نحو 70 ألف شهيد فلسطيني. على أن أخطر ما في الموافقة على هذه الوصاية الأميركية الكاملة على القطاع أنها تعزل غزّة عن فلسطين تماماً، وتنهي القضية الفلسطينية؛ إذ تصير مناطق الضفة الغربية والقدس شأناً إسرائيلياً خالصاً، أو تحت وصاية صهيونية موازية لوصاية أميركا على غزّة، فيما تنحصر المقاربة العربية من القضية في حدود الأدوار الثانوية التي يحدّدها لهم دونالد ترامب في وثيقة مجلس غزّة.

زر الذهاب إلى الأعلى