“فرحة العيد من أكوام البالة”.. أسواق الملابس المستعملة ملاذ اليمنيين في ظل الغلاء

مع اقتراب عيد الفطر، تتجه أنظار كثير من الأسر اليمنية نحو الأسواق الشعبية بحثًا عن ملابس لأطفالهم، لكن الواقع الاقتصادي الصعب جعل فرحة العيد بالنسبة للكثيرين مرتبطة بأكوام الملابس المستعملة، حيث أصبحت أسواق “البالة” الخيار الوحيد لشراء ما يمكن أن يزرع ابتسامة على وجوه الأطفال.
في أحد الأزقة المزدحمة بمدينة تعز، كانت أم محمد تقف أمام بسطات الملابس المستعملة تقلب القطع بعناية، بينما يمسك طفلها الصغير بطرف عباءتها وينظر بلهفة إلى الملابس المعلقة. تقول أم محمد في حديثها لـ”الوعل اليمني”: “نأتي إلى هنا كل عيد تقريبًا، نحاول أن نجد شيئًا بسيطًا يفرح الأطفال، فأسعار الملابس الجديدة لم تعد في متناولنا”.
تضيف الأم، وهي تعيل خمسة أطفال، أن الأسواق الشعبية للملابس المستعملة أصبحت الملاذ الوحيد لكثير من الأسر. وتقول: “الأطفال ينتظرون العيد مثل أي طفل، لكن الظروف صعبة، لذلك نبحث في البالة عن ملابس نظيفة وجيدة حتى يشعروا بفرحة العيد”.
ازدحام الأسواق مع اقتراب العيد
مع اقتراب العيد، تشهد أسواق الملابس المستعملة في المدن اليمنية حركة غير عادية، حيث يتوافد المواطنون منذ الصباح الباكر بحثًا عن قطع ملابس مناسبة وبأسعار معقولة.
يقول أحمد العريقي، وهو بائع ملابس مستعملة في أحد الأسواق الشعبية، إن هذه الأيام تشهد إقبالًا كبيرًا مقارنة ببقية أيام السنة. ويوضح في تصريح لـ”الوعل اليمني”: “قبل العيد يزداد الزحام بشكل واضح، فالكثير من الأسر تأتي إلى هنا لأنها لا تستطيع شراء ملابس جديدة”.
ويضيف أن بعض العائلات تقضي ساعات طويلة في تفتيش أكوام الملابس بحثًا عن قطعة مناسبة لأطفالها. ويقول: “الناس لا تبحث عن الماركات، بل عن شيء جيد بسعر بسيط”.
اقتصاد الفقراء
تحولت أسواق الملابس المستعملة خلال السنوات الأخيرة إلى ما يشبه اقتصادًا خاصًا بالفئات محدودة الدخل، حيث يعتمد عليها آلاف المواطنين لتوفير احتياجاتهم من الملابس.
المواطن عبدالكريم سعيد، وهو موظف حكومي يعيل أربعة أطفال، يقول في حديثه لـ”الوعل اليمني” إن هذه الأسواق أصبحت جزءًا من حياة الكثير من الأسر. ويضيف: “مع توقف الرواتب وارتفاع الأسعار، أصبح من الصعب شراء ملابس جديدة، لذلك نأتي إلى البالة خاصة قبل العيد”.
ويؤكد أن كثيرًا من الأسر تحاول رغم الظروف الصعبة أن توفر لأطفالها ملابس للعيد ولو كانت مستعملة، لأن فرحة الأطفال تبقى أولوية بالنسبة للآباء.
أطفال يبحثون عن الفرح
في زاوية من السوق، كان الطفل خالد، البالغ من العمر عشر سنوات، يقلب بين الملابس بحماس واضح. وبعد لحظات رفع قميصًا رياضيًا وقال لوالدته إنه يشبه قميص لاعب كرة القدم الذي يشجعه.
تقول والدته لـ”الوعل اليمني”: “الأطفال يحبون العيد ويريدون ملابس جديدة مثل بقية الأطفال، لكننا نحاول أن نجد في البالة شيئًا يفرحهم”.وتضيف: “ربما تكون الملابس مستعملة، لكنها بالنسبة لهم تعني الكثير عندما يرتدونها يوم العيد”.
من جهة أخرى، يرى بعض التجار أن تجارة الملابس المستعملة توسعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية.
يقول التاجر محمد القباطي، الذي يعمل في بيع الملابس المستعملة منذ عدة سنوات، إن الإقبال على هذه الأسواق يزداد عامًا بعد آخر. ويوضح في تصريح لـ”الوعل اليمني”: “الظروف الاقتصادية جعلت الكثير من الناس يعتمدون على هذه الأسواق، خاصة في المواسم مثل الأعياد”.
ويشير إلى أن بعض الملابس المستعملة تكون ذات جودة جيدة، ما يجعلها خيارًا مناسبًا لمن لا يستطيع شراء الملابس الجديدة.
زمن صعب
في المقابل، يشكو بعض أصحاب محلات الملابس الجديدة من تراجع الإقبال على منتجاتهم بسبب انتشار أسواق الملابس المستعملة.
يقول التاجر سامي الحداد، صاحب متجر ملابس في أحد الأسواق، إن حركة البيع أصبحت أضعف بكثير مقارنة بالسنوات الماضية. ويضيف في تصريح لـ”الوعل اليمني”: “الناس تبحث عن الأرخص، ولذلك يذهب الكثير منهم إلى أسواق البالة”.ويرى أن الأزمة الاقتصادية غيرت سلوك المستهلكين بشكل واضح، حيث أصبح السعر هو العامل الحاسم في قرار الشراء.
ويرى الباحث الاجتماعي الدكتور خالد العريقي أن انتشار أسواق الملابس المستعملة يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المجتمع اليمني.
ويقول العريقي في تصريح لـ”الوعل اليمني” إن الإقبال الكبير على هذه الأسواق، خصوصًا في مواسم الأعياد، يعكس محاولة الأسر التكيف مع الظروف الصعبة مع الحفاظ على بعض مظاهر الفرح لأطفالهم.
ويضيف أن الكثير من العائلات تحاول رغم الفقر أن تحافظ على تقاليد العيد، حتى لو كان ذلك من خلال شراء ملابس مستعملة.
ورغم بساطة هذه الأسواق، إلا أنها أصبحت بالنسبة لآلاف اليمنيين مساحة للبحث عن لحظة فرح صغيرة في حياة مليئة بالتحديات.
وبين أكوام الملابس المتراكمة في تلك الأسواق، يقف الآباء والأمهات لساعات طويلة بحثًا عن قطعة ملابس قد لا تكون جديدة، لكنها كفيلة بأن ترسم ابتسامة على وجه طفل ينتظر العيد بلهفة.






