تقارير
أخر الأخبار

فلسطين في وجدان العرب.. قراءة سياسية في نتائج المؤشر العربي 2025

الدوحة- الوعل اليمني

يقدّم المؤشر العربي 2025، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، صورة سياسية واجتماعية مكثفة عن حال الرأي العام العربي في زمن الحروب والتحولات الكبرى، حيث تتصدر القضية الفلسطينية بوصفها نقطة الارتكاز المركزية في الوعي الجمعي العربي، رغم اختلاف السياقات السياسية والاقتصادية بين الدول.
وتكشف نتائجه، التي استندت إلى أكثر من أربعين ألف مقابلة مباشرة في 15 بلدًا عربيًا، عن ثبات لافت في المواقف الشعبية تجاه فلسطين، مقابل تراجع الثقة بالسياسات الدولية والإقليمية الفاعلة في المنطقة.

فلسطين الجامعة
تُظهر بيانات المؤشر أن 80% من المواطنين العرب ما زالوا يعتبرون القضية الفلسطينية قضية العرب جميعًا، لا شأنًا فلسطينيًا محصورًا، وهو ما يعكس رسوخ فلسطين كقضية جامعة تتجاوز الحدود الجغرافية والانقسامات السياسية. وسُجلت أعلى نسب هذا الموقف في الأردن وتونس والجزائر والكويت، في حين تراجعت نسبيًا في بعض بلدان المشرق العربي، دون أن يرقى ذلك إلى تحوّل جوهري في الاتجاه العام. ويعزز هذا الإجماع الشعبي الشعورُ الواسع بأن الحرب على غزة ولبنان تمسّ العرب مباشرة، إذ أفاد 87% من المستجيبين بشعورهم بضغط نفسي نتيجة هذه الحروب، فيما قال 70% إنهم يتابعون أخبار الحرب على غزة بشكل منتظم.

رفض التطبيع
وفي سياق التطبيع والعلاقات مع إسرائيل، تكشف نتائج المؤشر عن قطيعة واضحة بين مواقف الشعوب العربية وخيارات بعض الأنظمة السياسية، حيث عبّر 87% من المواطنين العرب عن رفضهم اعتراف بلدانهم بإسرائيل، مقابل 6% فقط أبدوا قبولًا مشروطًا في غالبه بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
اللافت في هذه النتائج أن مبررات الرفض لم تنطلق من اعتبارات دينية أو ثقافية، بل من توصيف إسرائيل كدولة استعمارية وعنصرية وتوسعية تواصل احتلال الأراضي الفلسطينية، ما يعكس طابعًا سياسيًا وحقوقيًا في وعي الرأي العام.
وسجّلت ليبيا والأردن والكويت وفلسطين أعلى نسب الرفض، فيما تراجعت نسبة المؤيدين للتطبيع في دول شهدت اتفاقات رسمية، مثل السودان والمغرب، مقارنة بمؤشرات سابقة.

غزة تحت النار
على الأرض، يرصد المؤشر صورة إنسانية قاسية للأوضاع في قطاع غزة، حيث أفاد 93% من سكانه بأنهم نزحوا مرة واحدة على الأقل خلال الحرب، في واحدة من أعلى نسب النزوح المسجلة عالميًا.
ويعيش جزء كبير من السكان في خيام أو مبانٍ عامة، وسط انعدام واسع للكهرباء والمياه الصالحة للشرب والأدوية. وأكدت الغالبية الساحقة من المستجيبين أنهم عانوا الجوع أو العطش مرارًا، أو شهدوا أشخاصًا يضطرون إلى التوسل للحصول على الطعام أو الماء، ما يعكس حجم الانهيار المعيشي والإنساني الذي رافق الحرب.

دوليًا، أظهرت نتائج المؤشر تمايزًا واضحًا في تقييم الرأي العام العربية لمواقف الدول تجاه فلسطين، إذ تصدرت جنوب أفريقيا قائمة الدول الأكثر دعمًا للفلسطينيين في نظر العرب، بعد لجوئها إلى محكمة العدل الدولية، وهي خطوة قال 83% من المستجيبين إنها رفعت معنوياتهم. كما عبّر 70% عنه تأييدهم تطوير علاقات بلدانهم مع جنوب أفريقيا، فيما اعتبر 83% أن اعتراف دول أوروبية وأميركية لاتينية بدولة فلسطين خطوة إيجابية. في المقابل، حظيت سياسات الولايات المتحدة وألمانيا وروسيا وفرنسا بتقييمات سلبية واسعة، حيث رأى ثلاثة أرباع العرب تقريبًا أن السياسة الأميركية تهدد أمن المنطقة واستقرارها، وتُعد إسرائيل، وفق 84% من المستجيبين، الخطر الأكبر على الأمن العربي.

وتشير النتائج إلى أن هذا الموقف من الولايات المتحدة لا يرتبط برفض ثقافي أو حضاري، بل بسياستها الخارجية، خصوصًا دعمها لإسرائيل. وقد انعكس ذلك في تراجع جاذبية الولايات المتحدة كوجهة للهجرة أو التعليم أو العلاج مقارنة بما كانت عليه قبل عقد، بالتوازي مع اتساع استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي كمصادر للمعرفة، رغم تراجع الثقة بمحتواها.

في المحصلة، يقدّم المؤشر العربي 2025 شهادة سياسية مكثفة على زمن عربي مثقل بالأزمات، لكنه يُظهر في الوقت ذاته ثباتًا لافتًا في موقع فلسطين داخل الوجدان العربي. فرغم الحروب والانقسامات والتحولات الإقليمية، ما تزال فلسطين تمثل البوصلة الأخلاقية والسياسية للرأي العام العربي، وقضية مركزية تُقاس من خلالها مواقف الدول والتحالفات، في عالم يعاد تشكيله تحت ضغط القوة والحروب، بينما يبقى صوت الشعوب أكثر وضوحًا من حسابات السياسة الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى