الأخبار
أخر الأخبار

فنزويلا “غير قابلة للاستثمار”.. طموح ترامب يصطدم برفض “عمالقة النفط”

حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جاهدًا إقناع كبرى شركات النفط للاستثمار في فنزويلا عبر إغرائهم بأن هناك “مليارات الدولارات، وستصل القيمة إلى مئات المليارات، بل تريليونات الدولارات”، واعدًا إياهم بـ”أمان تام وحماية مطلقة” تحت وصاية الولايات المتحدة.

وفي لقاء وُصف بالإستراتيجي، احتضن البيت الأبيض ترامب مع أكثر من 12 من كبار التنفيذيين في قطاع النفط العالمي، منهم رؤساء “شيفرون” و”إكسون موبيل” و”كونوكو فيليبس”، وذلك بعد أسبوع واحد فقط من العملية العسكرية الخاطفة التي أدت إلى اعتقال نيكولاس مادورو ونقله للمحاكمة في نيويورك.

فنزويلا بوضعها الحالي “غير قابلة للاستثمار

سعى ترامب خلال الاجتماع للظهور أمام المدراء التنفيذيين واثقًا فرحًا بالصيد الثمين، ملقيًا نكات سمجة بين حين وآخر، وانفرد وحده بالضحك على بعضها بقهقهات مصطنعة، ورغم هذا الاندفاع، لم يتمكن من انتزاع التزامات مالية ضخمة من عمالقة النفط تقدر بـ100 مليار دولار لإعادة إحياء القطاع في فنزويلا.

حيث قوبلت عروضه بمواقف صارمة من بعض رؤساء الشركات الكبرى، وصرح الرئيس التنفيذي لشركة “إكسون موبيل”، دارين وودز، قائلًا: “فنزويلا بوضعها الحالي لا تزال غير قابلة للاستثمار”، مشددًا على ضرورة وجود تغييرات جوهرية لا يمكن تطبيقها إلا بتعاون الإدارة الأمريكية مع الحكومة الفنزويلية.

كما رهن رؤساء الشركات استثمار المليارات بضرورة وجود ضمانات قانونية صلبة وأطر تجارية واضحة تحمي أصولهم من تجارب التأميم والمصادرة التي تعرضوا لها سابقًا، مؤكدين أن الوعود الأمنية وحدها لا تكفي لبناء ثقة استثمارية طويلة الأمد.

ترامب يفضح وزير خارجيته ويتسبب في إحراجه

وخلال الاجتماع مع مديري شركات النفط، وفي حدث وُصف بالغريب، ولعله يعكس حجم التخبط لدى الإدارة الأمريكية، قام الرئيس ترامب بفضح وزير خارجيته ماركو روبيو عندما أعطى الأخير ترامب ورقة من المفترض أنها خاصة وسرية، إلا أنه قام بقراءتها بصوت عال أمام الحضور.

وكان روبيو قد لاحظ أن ترامب ابتعد عن مناقشة توسيع ترخيص شركة النفط “شيفرون” للعمل في فنزويلا، فما كان منه إلا أن كتب ورقة لترامب ينبهه فيها للعودة لمناقشة حصة الشركة الأمريكية في النفط الفنزويلي، جاء فيها “أنهم يريدون أن يناقشوا شيئًا ما”.

عندها ضحك الجميع، بينما كان روبيو في حالة من الحرج، لكن ترامب ربت على كتف روبيو قائلًا: “شكرًا ماركو”. كان ذلك في سياق مناقشة مع مسؤولي النفط حول فنزويلا.

ترامب يهدد الشركات.. “هناك بدلاء لكم

ووسط أجواء اجتماع باردة، أدرك ترامب للحظة أن سياسة الترغيب لم تؤتِ أُكلها، فحاول اللجوء للترهيب ضمنيًا، قائلًا إن واشنطن ستكون هي الجهة السيادية الوحيدة التي تقرر من يحصل على عقود الاستخراج.

وبنبرة لا تخلو من التحدي، أبلغ ترمب رؤساء شركات النفط بأنهم سيتعاملون مع الإدارة الأمريكية مباشرة، محذرًا الشركات المترددة بقوله: “لديّ قائمة انتظار تضم 25 شركة أخرى مستعدة لأخذ مكانكم إذا لم تغتنموا هذه الفرصة التاريخية”.

ويرى ترمب في الاحتياطيات الفنزويلية، التي تمثل خُمس احتياطي العالم، وسيلة لخفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة إلى 50 دولاراً للبرميل، لكن الخبراء والمحللين يحذرون من أن هذه الطموحات قد تصطدم بواقع البنية التحتية المحطمة التي تحتاج لسنوات من العمل الشاق. كما أبدوا شكوكهم في أن تستثمر شركات النفط مبالغ طائلة بالسرعة التي أشار إليها ترمب.

لا أمن مادي ولا يقين قانوني

قال ديفيد غولدوين، رئيس شركة “غولدوين غلوبال ستراتيجيز” للاستشارات في مجال الطاقة والمبعوث الخاص السابق لوزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الطاقة الدولية: “إن رؤساء الشركات تصرفوا بأقصى درجات اللباقة، ولكن دون الالتزام بتقديم أي استثمارات فعلية”.

وأضاف غولدوين: “شركتا إكسون وشل لن تستثمرا مليارات الدولارات، ناهيك عن عشرات المليارات”، إذ لم يتوفر الأمن المادي، واليقين القانوني، وإطار مالي تنافسي، وتابع: “هذا الأمر غير مرحب به من وجهة نظر قطاع الطاقة. فالظروف غير مواتية”.

وفي حين أن الشركات الصغيرة قد تكون أكثر حماساً، للمشاركة والمساهمة في تعزيز إنتاج النفط الفنزويلي خلال العام المقبل، قال إن هذه الاستثمارات ستتراوح على الأرجح حول 50 مليون دولار، وهو رقم بعيد كل البعد عن الرقم “الخيالي” الذي طرحه ترامب، والبالغ 100 مليار دولار.

بدوره، قال كلاوديو غاليمبرتي كبير الاقتصاديين في شركة “ريستاد إنرجي” الشركة، إن الشركات لن تُقدم على الاستثمار بـ100 مليار دولار، إلا في ظل الدعم الحكومي والاستقرار السياسي. وأكد أنه لا ينبغي للأمريكيين أن يتوقعوا انخفاض أسعار النفط قريباً بسبب الوضع في فنزويلا، وقال: “سيكون من الصعب رؤية التزامات كبيرة (بالاستثمار) قبل استقرار الوضع السياسي بشكل كامل، ولا أحد يعلم متى سيحدث ذلك”.

 إنتاج فنزويلا لكميات نفط أكثر مستبعد قبل 2030

  وفي السياق، قال بنك “أستراليا آند نيوزيلند بانكينغ غروب” (Australia and New Zealand Banking Group) إن المستثمرين الذين يراهنون على نمو إنتاج النفط في فنزويلا سيحتاجون إلى رؤوس أموال كبيرة وقدر عالٍ من الصبر، ، إذ إن البنية التحتية المتقادمة في البلاد تتطلب إنفاقاً بمليارات الدولارات.

كتب الخبيران الاستراتيجيان دانيال هاينز وسوني كوماري في مذكرة، أن الأطر الزمنية المعتادة لزيادة إنتاج النفط في فنزويلا يُرجح أن تكون أطول مقارنة بدول أخرى، نظراً للتحديات التي يواجهها القطاع.

فترة الاستثمار تمتد إلى 7 سنوات وليس 18 شهرًا..!

كما أوضح البنك أن قرارات الاستثمار النهائية الكبرى تستغرق عادة ما بين عام وخمسة أعوام بعد الاكتشاف الأولي. ويلي ذلك بدء الإنتاج خلال فترة تتراوح بين 12 شهراً وسنتين بالنسبة للاحتياطيات البرية التقليدية، بينما قد تمتد المدة إلى نحو 7 أعوام تقريباً في المشروعات البحرية.

وأضاف “أستراليا آند نيوزيلند بانكينغ غروب” أن الحفاظ على مستوى إنتاج يبلغ مليون برميل يومياً سيتطلب على الأرجح استثمارات سنوية تتجاوز متوسط القطاع البالغ نحو 5.5 مليارات دولار، كما أشار البنك إلى أن على المستثمرين أيضاً الاستعداد لاحتمال استمرار عدم الاستقرار السياسي في فنزويلا، بما في ذلك اضطرابات مدنية كبيرة واستمرار العقوبات الأميركية المفروضة على البلاد.

ماذا سيحدث لكوكب الأرض إذا استولى ترامب على كل نفط فنزويلا؟

يمثل النفط الفنزويلي فرصة مغرية لترامب، الذي يُقدّس الوقود الأحفوري، بحسب تقرير لشبكة “بي بي سي”، حيث وضع بالفعل رؤية لاستثمار شركات النفط الأمريكية مليارات الدولارات لاستخراج هذا الذهب الأسود، ومع ذلك، يُدقّ خبراء المناخ ناقوس الخطر لأن هذا النفط يُعدّ من بين أكثر أنواع النفط تلويثًا للبيئة في العالم.

العسل الأسود”.. نفط فنزويلا الخام ثقيل وحامض

ويقول غاي برينس، رئيس قسم أبحاث إمدادات الطاقة في مركز الأبحاث المستقل “كاربون تراكر”: “لا يُعتبر نفط فنزويلا “ملوثًا لأسباب أيديولوجية، بل لأسباب فيزيائية وبنية تحتية”، ويُطلق على نوع النفط السائد في فنزويلا، والذي يُستخرج في الغالب من حزام أورينوكو، اسم النفط الخام الثقيل الحامض، وهو مشابهٌ للرمال النفطية الكندية.

ويتميز هذا النفط بلزوجته الكثيفة التي تُشبه دبس السكر (المولاس أو العسل الأسود)، ويحتوي على تركيزٍ أعلى من الكربون المُساهم في ارتفاع درجة حرارة الأرض مقارنةً بالنفط الخفيف، وبسبب لزوجته، يُعد استخراج النفط الثقيل أكثر صعوبةً واستهلاكًا للطاقة.

ويقول لورن ستوكمان، المدير المشارك للأبحاث في منظمة “أويل تشينج إنترناشونال” البيئية غير الربحية: “لا يتدفق النفط من البئر كسائل، بل يجب تسخينه، عادةً عن طريق ضخ البخار إلى المكمن، ويتطلب ذلك كمياتٍ هائلةً من الطاقة، تُستمد في المقام الأول من الغاز الطبيعي المُساهم في ارتفاع درجة حرارة الأرض”.

ولا تقتصر الآثار السلبية على الاستخراج فقط، فمحتوى الكبريت العالي في هذا النفط يجعل تكريره إلى منتجاتٍ مفيدةٍ كالبنزين والديزل أكثر صعوبةً وتكلفةً كما يتطلب معداتٍ متخصصةً وعملياتٍ أكثر استهلاكًا للطاقة، مما يزيد من تلوث المناخ.

تعزيز عقلية الصراع على الموارد مقابل إطلاق كميات هائلة من الكربون

وعلاوة على ذلك، قال برينس من شركة كاربون تراكر: “البنية التحتية في فنزويلا قديمة ومتهالكة، مما يزيد من خطر تسرب غاز الميثان وحرقه وانفجاره”، ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، فإنّ كثافة انبعاثات الميثان من عمليات النفط والغاز في فنزويلا تبلغ 6 أضعاف المتوسط العالمي.

ويُثير النفط الفنزويلي أيضًا مخاوف بيئية خطيرة، فالبلاد تعاني من تسربات في خطوط الأنابيب وبنية تحتية قديمة، مما يزيد من خطر التسربات، ويصعب الحصول على بيانات دقيقة حول عدد التسربات، خاصةً بعد توقف شركة النفط الوطنية عن نشر تقاريرها علنًا في 2016، لكن منظمات أخرى نشرت تقديرات.

وتشير بيانات شركة ريستاد إنرجي، إلى أن الحفاظ على معدل إنتاج النفط الحالي سيتطلب استثمارات تزيد عن 53 مليار دولار على مدى السنوات الخمس عشرة المقبة، وخلصت الشركة إلى أن رفع مستوى الإنتاج إلى ذروة إنتاج فنزويلا، التي تجاوزت 3 ملايين برميل يوميًا، سيتطلب مبلغًا باهظًا يصل إلى 183 مليار دولار، إنها فكرة مكلفة في عالم يزخر بالنفط، حيث الأسعار منخفضة، وحيث قد يقترب ذروة الطلب العالمي على النفط بسرعة.

 وقال برينس: “في سوق الطاقة اليوم، هذا ببساطة لا يتوافق مع الواقع”، وأضاف: “ستكون طريقة مكلفة للغاية لإنتاج نفط عالي التكلفة والانبعاثات في الوقت الذي يتباطأ فيه نمو الطلب العالمي. إنه ببساطة سيناريو غير منطقي”.

نفط فنزويلا على طاولة مليارديرات مقربون من ترامب

ألقى تقرير لمجلة “فوربس” الأمريكية الضوء على شبكة معقّدة من المصالح المالية والسياسية التي تشكّلت في وول ستريت وقطاع الطاقة، واستعرض كيف يمكن لعدد من داعمي الرئيس ترامب تحقيق أرباح بمليارات الدولارات من التدخل الأمريكي في فنزويلا، ولا سيما عبر الاستحواذ على شركة النفط “سيتغو”

تنسب “فوربس” صفة المستفيد الأكبر من التطورات الأخيرة في فنزويلا إلى بول سينغر، الملياردير الداعم لترامب ومدير صندوق التحوط الأمريكي “إليوت مانجمنت”. ويعود ذلك إلى رهانه البالغ نحو 6 مليارات دولار على شركة تكرير النفط “سيتغو بتروليوم”.

وفازت شركة “أمبر إنرجي”، وهي شركة ناشئة مقرها هيوستن وقد أُنشئت في آب/أغسطس 2024 خصيصا للتقدم بعرض شراء “سيتغو”، بمزاد أُقيم في محكمة فيدرالية أمريكية، مقابل 5.9 مليارات دولار، وهو مبلغ يعتبره كثيرون صفقة رابحة.

شبكة مستفيدين واسعة لا يقتصر المستفيدون المحتملون من صفقة “سيتغو” على سينغر وحده، إذ تشير “فوربس” إلى أن مليارديرات في قطاع الملكية الخاصة يستعدون أيضا لجني أرباح كبيرة، وكانت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز قد أعلنت أن بلادها لا تعترف ببيع “سيتغو” القسري وقدمت استئنافا، فيما تؤكد PDVSA أن فنزويلا يجب أن تحصل على جزء من الأرباح.

زر الذهاب إلى الأعلى