تقرير خاص
في مناطق سيطرة الحوثيين، لم يعد الموظف الحكومي ذلك الشخص الذي يعتمد على راتبه لتأمين حياة مستقرة، أو يؤدي دورا واضحا داخل مؤسسات الدولة. اليوم، آلاف الموظفين يعيشون وضعا غريبا ومربكًا: لا هم مفصولون، ولا هم عاملون، ولا هم قادرون على الاعتراض. وظيفة بلا راتب، حضور بلا عمل، وصمت مفروض بوصفه شرطًا للبقاء.
تعيين موجود… وعمل غائب
في إحدى المؤسسات الحكومية بصنعاء، يحضر الموظفون صباح كل يوم. يوقعون في سجل الدوام، يجلسون على كراسيهم، يتبادلون الحديث، ثم ينتهي اليوم دون أي إنجاز يذكر. لا ملفات نشطة، لا قرارات، لا مهام واضحة.
موظف تم تعيينه بعد عام 2016 يقول لموقع الوعل اليمني “إن قرار تعيينه لم يكن مصحوبا بأي توصيف وظيفي. لم يُشرح له ما المطلوب، ولا ما حدود صلاحياته. يضيف: نحن موجودون فقط لكيلا نغيب، لا لكي نعمل.
هذه الحالة لا تقتصر على مؤسسة واحدة. عشرات الموظفين في قطاعات مختلفة يؤكدون أن العمل الفعلي شبه متوقف، وأن وجودهم في المكاتب بات شكليا، أقرب إلى الحضور الرمزي منه إلى الوظيفة الحقيقية.
قيد لا فرصه
في السابق، كانت الوظيفة الحكومية في اليمن وسيلة استقرار اجتماعي. راتب شهري، مكانة، قدرة على التخطيط. اليوم، تحولت إلى قيد. الموظف لا يستطيع تركها خوفًا من المساءلة أو الاتهام، ولا يستطيع الاستمرار بكرامة لأنه بلا دخل.
سامر الذماري في إدارة محلية يقول لموقع الوعل اليمني: لو تركت العمل سأُتهم بالتمرد، ولو بقيت سأظل بلا راتب. نحن عالقون في المنتصف.
هذا الوضع خلق حالة تجميد اجتماعي. الموظف لا يتقدم، ولا ينسحب، ولا يملك خيارا واضحا. حياته كلها معلقة بوظيفة لا تعطيه شيئا سوى صفة بلا مضمون.
الراتب صدقة
بدل الراتب المنتظم، جرى تقديم بدائل هشة. سلال غذائية موسمية، كروت شراء محدودة، أو وعود متكررة بالصرف القريب. لكن هذه البدائل لا تعادل الراتب، ولا تمنح أي أمان.
جواهر علي “موظفه في القطاع الصحي ” تقول: إن الفرق كبير بين الحق والصدقة. الراتب حق ثابت، أما السلة فهي منحة مشروطة. قد تأتي وقد لا تأتي.الأخطر أن هذه البدائل تستخدم كوسيلة ضغط. من يلتزم الصمت، قد يحصل على مساعدة. من يتحدث، قد يُحرم حتى منها. بهذه الطريقة، يصبح الراتب أداة إخضاع، لا وسيلة عيش.
أي محاولة للاحتجاج أو حتى السؤال الجماعي عن الرواتب تقابل بالتحذير. الموظفون يؤكدون أن التعليمات غالبًا ما تكون شفوية، لكنها واضحة: لا تجمعات، لا بيانات، لا شكاوى.الاحتجاج يصنف كعمل سياسي أو خيانة، وليس كمطالبة بحق. هكذا، جرى تجريم الصوت، وتحويل الصمت إلى شرط غير مكتوب للاستمرار في الوظيفة.
موظف في قطاع التعليم يؤكد: لم يعد السؤال عن الراتب مسموحا. مجرد السؤال قد يضعك تحت المراقبة.
نقابات بلا مخالب
النقابات المهنية، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن الموظفين، فقدت دورها بالكامل. بعضها جرى تعطيله، وبعضها يعمل شكليًا دون قدرة على الضغط أو التحرك.
يشير نقابي سابق ” إن النقابة مسموح لها بالوجود، لكن ليس بالفعل. أي محاولة لتنظيم وقفة أو إصدار بيان حقيقي تقابل بالتهديد.غياب النقابات ترك الموظف وحيدا. لا غطاء قانوني، ولا تضامن جماعي، ولا جهة يمكن اللجوء إليها.
قانون الخدمة المدنية اليمني واضح في مسألة الرواتب وحقوق الموظف. الراتب حق مقابل العمل، ولا يجوز وقفه دون إجراء قانوني. كما يكفل القانون حق الموظف في الشكوى والاعتراض.لكن في مناطق الحوثيين، هذه القوانين لا تطبق. الموظف موجود قانونًا، لكن حقوقه معلقة. لا فصل رسمي، ولا صرف، ولا حماية.خبير في الإدارة العامة يرى أن هذا الوضع يمثل فراغًا قانونيًا مقصودًا. إبقاء الموظف في منطقة رمادية يمنع عنه الطعن، ويمنعه في الوقت نفسه من الانسحاب.
الأثر المنسي
بعيدا عن الجوانب القانونية، هناك أثر نفسي عميق. الموظف يشعر أنه بلا قيمة. لا ينتج، لا يكافأ، ولا يحترم. هذا يولد إحباطًا واكتئابا وشعورا دائما بالعجز.
العم هادي في الأربعين يقول لموقع الوعل اليمني: لم أعد أشعر أنني موظف أو مواطن. أنا فقط شخص ينتظر.هذا الانكسار الصامت لا يطال الفرد وحده، بل أسرته وأطفاله. أجيال تنشأ في بيوت بلا دخل ثابت، وبلا أفق واضح.
خبراء يرون أن تحويل الوظيفة إلى عبء يخدم منطق السيطرة. الموظف المنهك لا يحتج، ولا يعارض، ولا يتحرك. يعيش فقط ليبقى.بهذه الطريقة، تتحول الوظيفة من أداة بناء دولة إلى أداة إدارة صمت. لا حاجة للفصل أو القمع المباشر. يكفي تعليق الراتب، وتعليق الدور، وتعليق الزمن.
ما يحدث في مناطق سيطرة الحوثيين ليس مجرد أزمة مالية، بل تفكيك ممنهج لمعنى الوظيفة العامة. الموظف لم يعد شريكًا في خدمة المجتمع، بل أصبح أداة صامتة داخل منظومة تحكمها الوعود لا الحقوق.هنا، لا يعيش الموظفون فقط بلا رواتب، بل بلا دولة حقيقية تحميهم. وفي هذا الفراغ، تستمر معاناة آلاف الأسر، بصمت طويل، ووظيفة لا تمنح سوى الاسم.

كيف نجح الشرع بسحب الحماية الأمريكية من قسد؟ وما مستقبل أكراد المنطقة؟
عدوان الخليل: حملة أمنية بغطاء سياسي لتكريس السيطرة والتهجير
إسرائيل و”مجلس سلام غزة”: اعتراض معلن أم توافق مستتر؟
نيوزويك: احتمالات عزل ترامب تصل ذروتها وفق تنبؤات أميركية