مقالات

قراءة في جردة حساب السنوات الأربع (أبريل 2022 – أبريل 2026)

بقلم :د. علي العسلي

لم تكن لحظة السابع من أبريل 2022 مجرد انتقالٍ بروتوكولي للسلطة، بل بدت محاولة إنعاشٍ سياسي لكيانٍ أنهكته التشظيات وتنازعت أطرافه الولاءات. دخل الدكتور رشاد العليمي المشهد وهو يدرك أن التحدي لا يتموضع في جبهة واحدة، بل في طبقات متداخلة: زمنٌ ضاغط، وإرثٌ مثقل بالترهل، وتناقضات داخلية تضاهي في أثرها التحديات الخارجية. ومنذ إعلان دعم الهدنة الإنسانية في العشرين من أبريل 2022، تبلور خيار “إدارة الممكن” في بيئة لا تسمح بالحسم؛ حيث غدا الحفاظ على التوازن غايةً بحد ذاته.

غير أن هذا المسار، الذي حمل في بداياته قدرًا من التفهم لضرورات اللحظة، اصطدم سريعًا بسقف تطلعاتٍ وطنية كانت تنتظر انتقالًا أكثر وضوحًا نحو الحسم واستعادة زمام المبادرة. لكن الواقع اتجه في مسارٍ آخر، حيث تعثرت بعض المسارات الحيوية، وتآكلت مصادر القوة الاقتصادية، وتراجعت قدرة الدولة على التحكم في أدواتها الأساسية، في ظل تعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات، وهو ما انعكس على هيبة المركز ووظيفته.

وفي موازاة ذلك، اتجهت المقاربة العامة إلى ترميم الدولة عبر أدواتها الهادئة، حيث صدرت قرارات لإعادة تشكيل بعض البنى المؤسسية، وتفعيل الأطر الرقابية والمالية، في محاولة لإعادة تعريف الشرعية كمرجعية سيادية لا كأحد أطراف التوازنات. بدا هذا المسار في ظاهره انتقالًا نحو المأسسة، غير أنه ظل أقرب إلى إعادة ترتيب الشكل المؤسسي منه إلى إنتاج فعلٍ سيادي قادر على فرض أثره في الواقع.

ومع مرور السنوات الأربع، تكشفت مفارقة يصعب تجاوزها: خطابٌ متماسك وأدواتٌ حاضرة، يقابلها أثرٌ محدود. فالبيئة، داخليًا وخارجيًا، ظلت محكومةً بحسابات تتجاوز أحيانًا مقتضيات القرار الوطني، الأمر الذي جعل كل محاولة للتقدم تعمل داخل سقوف غير معلنة، وتتحرك في مساحات مضبوطة بإيقاع وقائع مفروضة.

وفي هذا السياق تحديدًا، يبرز ما يمكن اعتباره أخطر التحولات: انتقال ملف اليمن من كونه قضية وطنية تُدار ضمن أطرها الطبيعية، إلى كونه ورقة ضمن ترتيبات إقليمية ودولية تتجاوز حدود القرار المحلي. فمؤشرات التحرك نحو مفاوضات مثل “إسلام آباد” لم تعد تفصيلًا عابرًا، بل تعكس بوضوح اتساع دائرة التدخلات الايرانية، ومحاولات إعادة إدخال الملف اليمني ضمن معادلات صراع إقليمي أوسع، في لحظة تتقاطع فيها حسابات القوى الكبرى.

والمفارقة الأشد وضوحًا أن هذا المسار يتقدم في وقت تغيب فيه السلطة الشرعية أو يتراجع حضورها الفاعل في صياغة التفاهمات او المواقف تجاه هذا التدخل السافر، ما يجعلها في موقع المتلقي لا الشريك، ويقلّص من قدرتها على التأثير في شكل التسويات المقبلة. وفي هذا الإطار، جاء اجتماع مجلس القيادة الرئاسي ليعكس مقاربة رسمية أكثر حذرًا، حيث ركّز على تداعيات التصعيد الإقليمي، وعلى دور الحوثي في استغلال هذه التحولات، وعلى المخاطر المرتبطة بارتباطه الخارجي، دون أن يتبنى خطابًا مباشرًا يوازي حجم التدخلات الإقليمية، أو يشير بوضوح إلى رفض مستوى إعادة تدوير الملف اليمني في سياقات تفاوضية أوسع.

وهنا تتعمق الإشكالية: فحين يتحول الملف إلى ورقة في طاولة أكبر، تصبح الدولة في موقع رد الفعل لا الفعل، ويغدو حضورها مرتبطًا بمدى قدرتها على فرض شروطها داخل لحظة تفاوضية قد تُفرض عليها فرضًا، لا اختيارًا. وهذا ما يجعل من المرحلة المقبلة لحظة بالغة الحساسية، إذ إن أي تسوية لا تُبنى على تمثيل حقيقي وفاعل للشرعية، ستؤسس لواقع جديد يُعاد فيه تعريف اليمن خارج إرادته السيادية.

وفي قلب هذا المشهد، لا يمكن تجاهل أن إعادة تدوير الأزمات الوطنية داخل مسارات تفاوض إقليمية تعكس تحولًا أعمق في بنية الصراع، حيث لم يعد القرار اليمني مستقلاً بالكامل، بل بات يتقاطع مع حسابات قوى تسعى لإعادة رسم توازنات المنطقة من بوابة اليمن.

وبذلك، لم يعد نمط الإدارة قائمًا على الحسم بقدر ما هو قائم على احتواء التناقضات، وهو ما أسهم في منع الانهيار الكلي، لكنه لم يُفضِ إلى إحداث التحول المطلوب، ولا إلى إنتاج النقلة التي تعيد تعريف موقع الدولة ووظيفتها. ومع تراكم هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري يتجاوز التوصيف إلى الفهم: لماذا بقي ما كُتب في إطار نقل السلطة بعيدًا عن التحقق الكامل؟

لا تبدو الإجابة مرتبطة بغياب الرؤية بقدر ما ترتبط بطبيعة المعادلة القائمة، حيث تتقدم “قوة الواقع” على “شرعية النص”، وتفرض الوقائع حدودها على القرار، في بيئة ما تزال تتعامل مع الدولة كمساحة نفوذ متنازع عليها، لا كمرجعية جامعة. ومن هنا، يصبح التحدي الحقيقي ليس في صياغة النصوص، بل في امتلاك القدرة على تحويلها إلى وقائع نافذة.

لقد كشفت التجربة أن امتلاك أدوات الصياغة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الإلزام، وأن الشرعية، في معناها العملي، تظل رهينة بمدى قدرتها على الانتقال من الإطار التمثيلي إلى الفعل التنفيذي. فالدولة لا تُقاس بسلامة ما تكتبه من نصوص، بل بقدرتها على فرضها في الواقع، وما مضى من وقت يكشف أن المسافة بين النص والواقع لا تزال قائمة، وأنها لم تُختصر بعد بالشكل الكافي الذي يسمح بحدوث التحول المنشود.

وفي لحظة إقليمية تتسارع فيها إعادة ترتيب التوازنات، تتزايد حساسية هذا الفارق. فحين تُعاد صياغة القضايا الوطنية ضمن مقاربات أوسع، وتُدار بعض التفاهمات في مساحات تتجاوز الأطر التقليدية، يصبح الحضور عنصرًا حاسمًا في صياغة المآلات. إذ إن الغياب، في مثل هذه السياقات، لا يُفهم كتفصيل عابر، بل يُقرأ كعامل مؤثر في إعادة تشكيل النتائج، حيث يُعاد توزيع الأدوار وفق منطق الفاعلية لا وفق منطق الانتظار.

وعليه، تبدو المرحلة أقرب إلى مفترقٍ يتطلب انتقالًا هادئًا لكنه حاسم، من إدارة التوازنات إلى محاولة إعادة تشكيلها، ومن التكيف مع المعادلات القائمة إلى السعي لتعديلها. فالحفاظ على الاستقرار، على أهميته، لا يكفي إذا لم يُقترن بقدرةٍ على إنتاج مسار مختلف، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومحيطها، وبين القرار وفاعليته، وبين الشكل والجوهر.

وفي هذا السياق، تظل المناطق المحررة مساحة اختبارٍ حقيقية، ليس فقط لقدرة الدولة على الإدارة، بل لقدرتها على تقديم نموذجٍ يعكس كفاءتها ويعيد تعريف وظيفتها. وفي المقابل، يظل التمسك بالثوابت الوطنية، ورفض الانزلاق إلى مواقع تضعف من جوهر السيادة، عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن السياسي في لحظةٍ شديدة الحساسية.

في المحصلة، نجحت السنوات الأربع في إبقاء السفينة فوق سطح موجٍ متقلب، وهو إنجاز لا يمكن إنكاره في سياقٍ شديد التعقيد، لكنه يظل في حد ذاته مرحلة لا غاية. فالفارق بين البقاء والتأثير ما يزال قائماً، ولم يُحسم بعد، ولا تزال الدولة تتحرك ضمن مساحة رمادية، تحافظ على شكلها العام، دون أن تُترجم ذلك إلى قوة فاعلة قادرة على إعادة تشكيل المسار.

وهنا، يجب أن نقر بوضوح بذكاء العليمي في الحفاظ على “توازن السفينة” وسط هذه العواصف، لكن وجب التحذير أيضاً من أن الغرق قد لا يأتي من قوة الأمواج العاتية، بل من فقدان الدفة لصالح قوى إقليمية بدأت تصيغ مستقبل اليمن بعيداً عن إرادة أهله.

إنها لحظة الحقيقة؛ فلم يعد السؤال متعلقاً بقدرة الحالة على الاستمرار، بل بقدرتها على الانتقال من موقع التفاعل إلى موقع التأثير، ومن دور الحارس لشكل الدولة إلى دور الصانع لمستقبلها. فإما أن تُعيد الدولة تعريف حضورها كفاعلٍ سيادي يصوغ واقعه بيده، أو تبقى ضمن حدود الدور الذي يُرسم لها من خارجها، في معادلة دولية لا تنتظر من يتأخر خلف الركب.

إنها ليست لحظة انتظار… بل هي لحظة إعادة تموضع تاريخية.

زر الذهاب إلى الأعلى