
أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن القبض على نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى خارج البلاد، حالة غير مسبوقة من الجدل والالتباس السياسي في أميركا اللاتينية وخارجها. إعلان صادم، مباشر، لكنه فقير بالتفاصيل، ما فتح الباب أمام تساؤلات عميقة تتجاوز الحدث نفسه إلى طبيعة القرار الأميركي وأدواته الخفية.
فبينما غابت الرواية العملياتية الرسمية، سارعت تقارير صحفية أميركية إلى الإشارة إلى تورط قوة “دلتا فورس”، الوحدة الأكثر سرية ونخبوية في الجيش الأميركي، في تنفيذ العملية. عند هذه النقطة، لم يعد السؤال “ماذا حدث؟” بل “كيف ولماذا وبأي تفويض؟”.
وحدة خارج الضوء
تأسست قوة دلتا في أواخر سبعينيات القرن الماضي كوحدة عمليات خاصة تعمل خارج الأطر التقليدية للحرب، وتُستدعى عندما تتقاطع الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية الحساسة. وتُصنف دلتا ضمن وحدات “المستوى الأول” في الجيش الأميركي، وهي وحدات لا يُعترف بوجودها علناً إلا نادراً، ولا تُنسب إليها العمليات رسمياً إلا في حالات استثنائية.
بحسب مراجع عسكرية أميركية، تُكلف دلتا بمهام نوعية تشمل مكافحة الإرهاب، تحرير الرهائن، تنفيذ عمليات القبض أو التصفية الدقيقة لأهداف عالية القيمة، إضافة إلى المهام ذات الحساسية السياسية القصوى، حيث يصبح “الإنكار الرسمي” جزءاً من تصميم العملية.
كيف تعمل دلتا؟
رغم الغموض المحيط بعقيدتها القتالية، إلا أن نمط عمل دلتا يتسم بسمات واضحة: عمليات قصيرة وحاسمة، اندماج استخباراتي عميق ضمن قيادة العمليات الخاصة المشتركة، والاعتماد على فرق صغيرة ذات تأثير كبير تستند إلى التفوق المعلوماتي أكثر من القوة النارية.
هذا النمط يجعل من دلتا أداة مثالية عندما ترغب واشنطن في توجيه ضربة حاسمة دون الانجرار إلى مواجهة سياسية أو عسكرية مفتوحة.
عمليات خرجت إلى العلن
على مدار عقود، تسربت إلى العلن معلومات عن عمليات بارزة نفذتها دلتا، من بينها إنقاذ رهينة أميركي في بنما عام 1989، والمشاركة في العمليات التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، وصولاً إلى دورها في تعقب واعتقال صدام حسين عام 2003، والمشاركة الاستخباراتية في عملية قتل أسامة بن لادن عام 2011، وانتهاءً بالعملية التي أدت إلى مقتل أبو بكر البغدادي عام 2019.
لكن هذه النجاحات لم تكن بلا إخفاقات؛ إذ سُجلت على الوحدة انتكاسات قاسية، أبرزها فشل عملية “مخلب النسر” في إيران عام 1980، وانكسار الصومال عام 1993، حيث تحولت مهمة خاطفة إلى مأزق دموي هز صورة القوة الأميركية.
بنية معقدة وقوة مركبة
تتكون دلتا من أسراب هجومية متخصصة في العمليات المباشرة، وسرب طيران يعمل بالتنسيق مع فوج الطيران العمليات الخاصة 160، إضافة إلى وحدات دعم استخباراتي ولوجستي تضم خبراء متفجرات واتصالات وأطباء ميدانيين. هذا التكوين يجعلها وحدة مكتفية ذاتياً، قادرة على العمل في بيئات معادية ومعزولة.
اختيار لا ينجح فيه إلا القليل
الانضمام إلى دلتا يمر عبر واحدة من أقسى عمليات الاختيار في العالم العسكري. تبدأ باختبارات لياقة قاسية، لكنها تبلغ ذروتها في “المسيرة الطويلة”، حيث يُطلب من المرشحين اجتياز عشرات الكيلومترات في تضاريس وعرة وهم يحملون أوزاناً ثقيلة، في اختبار للتحمل العقلي بقدر ما هو جسدي.
الناجون من هذه المرحلة يخضعون لتقييمات نفسية دقيقة، قبل الالتحاق بدورة تدريبية تمتد نحو ستة أشهر، تشمل القتال القريب، الرماية المتقدمة، المتفجرات، التجسس، والعمل السري في البيئات الحضرية.
مادورو… الهدف أم الرسالة؟
إذا صحت التقارير التي تشير إلى دور دلتا في اعتقال مادورو، فإن الحدث يتجاوز كونه عملية أمنية إلى كونه رسالة سياسية بامتياز. رسالة تقول إن واشنطن مستعدة لاستخدام أدواتها الأكثر حساسية لتغيير معادلات الحكم في فنزويلا، حتى لو تطلب ذلك تجاوز الأعراف التقليدية في العلاقات الدولية.
أسئلة بلا إجابات
حتى اللحظة، لا تزال الأسئلة أكبر من الإجابات: هل جرت العملية بتفويض دولي؟ أم بقرار أحادي؟ هل كان الهدف إزاحة مادورو أم إعادة رسم ميزان الردع في أميركا اللاتينية؟ والأهم، هل يمثل هذا التحرك سابقة ستُفتح على نماذج مشابهة في دول أخرى؟
في غياب الرواية الرسمية، تبقى قوة دلتا، مرة أخرى، في قلب المشهد… حاضرة بالفعل، غائبة بالاعتراف، وتعمل في المنطقة الرمادية حيث تلتقي السياسة بالسلاح.






