مقالات
أخر الأخبار

لماذا لا نزال بحاجة إلى القانون الدولي حتى حين يُنتهك ويُهمش؟

ستيفن ويلكنسون

هل لايزال القانون الدولي ذا أهمية؟

أعادت أحداث عام 2025- من أوكرانيا وغزة إلى السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية- إحياء نقاش مألوف ومقلق: هل ما زال القانون الدولي ذا معنى؟ ومع الأيام الأولى من عام 2026، عاد هذا السؤال بقوة إلى صدارة العناوين، عقب الإجراءات الأمريكية في فنزويلا، وما قابلها من ردود فعل أوروبية خافتة على نحو لافت.

يرى منتقدون على نحو متزايد أن القانون الدولي بات بائدا ولم يعد سوى سياسة متنكرة في زي قانون. فالدول القوية تنتهكه عندما يناسبها الأمر، وتستحضره بشكل انتقائي، وتتجاهله كليا حين يقيد مصالحها، ثم تعود لتستدعي قدسيته عندما يخرق الخصوم القواعد.

وفي ضوء ما نشهده اليوم، تبدو هذه الشكوك مفهومة؛ إذ نعيش مرحلة تتسم بانتهاكات واضحة ومستمرة للقانون الدولي.

ينبع هذا التشكيك جزئيا من المقارنة مع القانون الوطني، وهو قانون يختبره الناس مباشرة باعتباره ينظم حياتهم اليومية. فالأنظمة القانونية الوطنية تتسم عادة بوضوح المسار: تحديد القاعدة، إثبات الانتهاك، ثم فرض الجزاء. أما القانون الدولي فنادرا ما يعمل بهذه الطريقة.

ومن ثم، فالسؤال المطروح لا يدور حول ما إذا كان القانون الدولي مرآة للقانون الداخلي، بل ما إذا كان لا يزال يؤدي غرضا ذا معنى.

هل جميع فروع القانون الدولي متساوية؟

القانون الدولي ليس بمنأى عن النقد، لكن أي إطار يسعى إلى الحد من العنف يظل مسعى مشروعا في جوهره. فالقانون الدولي، في صلبه، يحاول التعبير عن قيم مشتركة، لا سيما حالات اللجوء إلى العنف، من خلال فرض قيود واضحة على استخدام القوة.

وهو يحقق ذلك بطريقتين أساسيتين:

  • أولا، من خلال تقييد متى وكيف يجوز للدولة أن تلجأ إلى القوة ضد دولة أخرى بشكل مشروع.
  • وثانيا، من خلال تنظيم كيفية استخدام القوة عند اندلاع النزاع، بغض النظر عن مدى مشروعية اللجوء إلى القوة من الأساس.

ويعرف هذا الإطار الأخير عادة باسم قوانين الحرب أو القانون الدولي الإنساني.

وبينما قد تتركز التغطية الإعلامية الراهنة على التهديدات التي تواجه القانون الدولي الإنساني، إلا أنه يتضح أن القانون الدولي ككل يتعرض لضغوط أوسع نطاقا.

فانتهاكات ميثاق الأمم المتحدة، وتآكل القواعد المتعلقة بالسيادة والنظام الدولي، تطورات مقلقة للغاية. وهي أمور ذات أهمية قصوى، ويجب إدانتها أينما وقعت ومتى وقعت. غير أن ثمة تدرجا في مستوى القلق، وعنصرا من البراغماتية، في كيفية التعامل مع انتهاكات القانون الدولي في سياق النزاعات المسلحة.

فعلى سبيل المثال، اعتبر البعض أن الاستخدام غير المشروع للقوة ضد فنزويلا قد يكون مبرَرا بإمكانية تحقيق نتيجة أكثر ديمقراطية وازدهارا. فتخلص مجتمع ما من دكتاتورية قاسية، بغض النظر عن كيفية حدوث هذا التغيير، قد يعد نتيجة إيجابية، وبالتالي مشروعة.

وسواء قبل هذا المنطق أم لا (أو حتى إن تحققت تلك النتيجة الإيجابية بالفعل)، فإنه يكشف عن مساحة من الجدل الأخلاقي تقل حدتها عند النظر إلى القواعد التي تنظم سير الحرب بحد ذاتها.

إن تنظيم العنف متى اندلعت الحرب يقوم على أساس أخلاقي وقانوني مختلف تماما. فلا مجال- وإن وجد فيجب إغلاقه فورا- للنقاش الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بجرائم الحرب.

فمحاولات تبرير هذه الأفعال، والتي غالبا ما تبرر على أنها ضرورية أو حتمية أو ناجمة عن التفوق الحضاري، ليست باطلة قانونيا فحسب، بل هي أيضا مفسدة أخلاقيا. والقبول بها من شأنه أن يفرغ القانون الدولي الإنساني من جوهره.

إطار قانوني ناقص لكنه أساسي

حتى وإن كان القانون الدولي الإنساني يطبق بشكل غير متساوٍ، أو شابته ازدواجية المعايير، أو تعرض لانتهاكات متكررة، يبقى السؤال الأعمق: هل يفقِد عدم الكمال هذا القانون صفته الشرعية؟ هل تفقد قاعدة ما جدواها لأنها فشلت في إنقاذ الجميع؟ وهل تعد الجهود المبذولة للحد من العنف عبثية لأنها لا تستطيع لجمه؟

قد يكون صحيحا أن القانون الدولي الإنساني يحتاج إلى التطور للتصدي للحروب الحديثة والتقنيات الناشئة، كما تطور مرارا منذ نشأته.

غير أن جوهره، ولا سيما حماية المدنيين والبنى التحتية المدنية، يجب أن يظل أساسيا. فالتراجع عن هذه المبادئ لن يؤدي إلا إلى فتح الباب أمام مزيد من الوحشية. ولا يجوز مكافأة منتهكي القواعد بالتخلي عن القواعد ذاتها التي وضعت لتقييدهم.

لماذا يعد التخلي عن القانون أو ابتكار «معايير جديدة» أمرا خطيرا؟

يجب رفض أي توجه نحو صياغة قواعد جديدة يزعم أنها تتناسب أكثر مع الواقع الجيوسياسي المعاصر. فحتى الدعوات حسنة النية تفترض أن هذه القواعد البديلة ستكتب بنزاهة. لكن الواقع يشير إلى أن الدول الأكثر حماسة للتخلي عن القيود القائمة هي غالبا تلك التي تنتهكها. وأي إطار جديد سيعكس على الأرجح المعايير الدنيا التي تكون هذه الدول على استعداد لقبولها، مما يؤدي إلى ترسيخ حماية أضعف وإلى إضفاء الشرعية عليها.

وهذا لا يعد تكيفا، بل استسلاما، وسيكون المدنيون، الذين يتحملون النصيب الأكبر من ويلات الحروب، هم الأكثر تضررا.

ففي ظل تآكل القانون الدولي، يخلص البعض إلى أن الإطار القانوني برمته قد فشل، إذ يتم  تطبيقه بشكل انتقائي، وهو غير متكافئ من الناحية الهيكلية، ويتعرض لانتهاكات متكررة، مما يجعله بلا جدوى.

ومع ذلك، نعم، يتعين علينا أن نقر بالقيود والثغرات. ويجب الاعتراف بالعيوب الهيكلية للقانون الدولي- من جذوره الغربية إلى تطبيقه غير المتكافئ وضعفه أمام سياسات القوة- غير أن أيا من ذلك لا ينفي قيمته، لا سيما في أكثر أشكال التفاعل الإنساني تطرفا، أي في الحروب.

ولا يمكننا أيضا أن نطلب من القانون ما لا يمكنه بطبيعته أن يحققه، ألا وهو تحقيق العدالة الكاملة، والكرامة الكاملة، واستئصال العنف.

لا يمكننا أبدا  إنكار أن القانون الدولي الإنساني قد أنقذ أرواحا، وصان كرامة البشر، ورسم حدودا لم تكن لتوجد لولاه. وأحيانا، تكفي قاعدة قانونية واحدة- وإن طبقت بشكل غير كامل- لإنقاذ حياة، أو حياة كثيرين. وهذا وحده سبب كافٍ للدفاع عن الإطار القانوني القائم.

زر الذهاب إلى الأعلى