الأخبار المحلية
أخر الأخبار

لماذا يتمسك الانتقالي بعدن وتراجع في مدن أخرى؟ وما دلالات دعوته للاحتشاد؟

دعا المجلس الانتقالي المنحل في عدن لاحتشاد مليوني الجمعة القادمة، واصفا التظاهر بأنه سيكون بطريقة سلمية حضارية للتعبير عن مطالبه، والتي جميعها تمثل تصعيدا واضحا ضد الحكومة الجديدة ومجلس القيادة الرئاسي والسعودية.

وصف الانتقالي في بيانه الحكومة بحكومة الأمر الواقع، وأطلق عليها “الحكومة اليمنية”، وهذا التوصيف بالنسبة للانتقالي وخطابه يعني رفضها، وقال إنها لم تأت من شراكة حقيقية، وتستهدف الجنوب.

يوم أمس تضمن بيان ناطق الانتقالي أنور التميمي إساءات واضحة لرئيس مجلس القيادة رشاد العليمي، ووصفه بالمدعو، وذكر اسمه دون صفته، واعتبر ما يجري في عدن يتجاوز الخطوط الحمراء، وتوعد بالتصعيد، والذي تترجم لاحقا لهذه الدعوة بالخروج إلى الشارع.

تمثل هذه الدعوة تحديا للحكومة في عدن، بما في ذلك السلطات المحلية والأمنية، وهي تحد أيضا للسعودية التي تتواجد في عدن لتطبيع الوضع، وتنفيذ توجه الحكومة بدمج التشكيلات العسكرية والأمنية.

الاحتشاد يمثل أيضا رسالة إرباك لمهام الحكومة، وورقة ضغط، تجعلها تدور في مكانها، وإشغالها عن مهامها في إدارة الوضع العام، وإحداث تغيير حقيقي على مستوى الخدمات العامة، التي يرى السكان فيها معيارا للحكم على نجاح أو فشل الحكومة.

لايزال الانتقالي يراهن على عدة نقاط في هذا الجانب، أولا وجود قيادات داخل الحكومة نفسها كانت من قياداته السابقة، ووجود ولاءات له لم تفكك في الأجهزة الأمنية والحكومية، واستغلال الإجراءات التي اتخذت بحقه كإغلاق المقرات، وإزاحة بعض القيادات كمظالم.

ما بدا لافتا هو خلو بيانات الانتقالي الأخيرة من الحديث عن عيدروس الزبيدي، والاكتفاء برفض الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، والدعوة للاحتشاد هي محاولة لإثبات التواجد الشعبي، والظهور بعدم التأثر والتضرر مما تعرض له مؤخرا.

والمفارقة هنا أن الانتقالي الذي لم يكن يسمح لأي تظاهرات سابقة عندما كان مسيطرا على عدن يتحدث اليوم عن أحقيته بالتظاهر السلمي في المدينة، والأمر هنا مرهون بالموقف الحكومي للسلطات المحلية والأمنية، وكيف ستتعامل مع هذه الدعوة، وهل ستسمح لها، أم سترفضها؟

ويبدو واضحا من بيانات الانتقالي الأخيرة أنها تتمحور حول ذاته ككيان، إذ لم تعد تطالب بتوفير خدمات وحلول خدمية، كما كان الانتقالي يفعل من قبل، بل صارت تندد بما يتعرض له، وبما طاله من إجراءات، وهذا بحد ذاته يؤكد تراجع ثقل المجلس، وتغير أولوياته، وانشغاله بمحاولة التشبث والبقاء، لكنه يغلف ذلك بما يصفه دولة الجنوب، يستغل كل ذلك لحشد الناس معه.

وكذلك الوضع فيما يتعلق بالدفاع عن الإمارات، وتوجيه الشكر لها، لم يعد الانتقالي في بياناته يولي هذا الجانب أي اعتبار، منذ إخراج الإمارات من اليمن، خلافا لما كان عليه الوضع سابقا، في الإشادة بالإمارات ودورها، أما بالنسبة للسعودية، فتحضر في بياناته كعدو، وداعم رئيسي لقوات معادية له، في إشارة لألوية العمالقة، وقوات درع الوطن، والأولى كانت من أغلق مقرات المجلس الأخيرة، بينما في السابق لم يكن المجلس يهاجم السعودية على الإطلاق، بل كان يشيد بها، وهو ما أوحى بوجود رضا من السعودية عن خطواته وتصعيده طوال السنوات الماضية.

غير أن ما يبدو ملاحظا هو انطفاء المجلس الانتقالي في كل مدن جنوب اليمن، باستثناء مدينة عدن، إذ غابت الأنشطة الجماهيرية والميدانية والمواقف للمجلس في باقي المحافظات، وظلت فقط داخل عدن، ولذلك قيمة يدركها الانتقالي نفسه، فعدن هي العاصمة، وموقع القرار والتأثير، ومركز تواجد الحكومة، وهي بمثابة القلب بالنسبة لباقي مدن جنوب اليمن.

في المدن الأخرى تمكنت الحكومة ومن خلفها السعودية من استعادة السيطرة المحلية والأمنية والعسكرية عبر سلسلة قرارات في القيادات الحكومية، وفي الجانب العسكري، وتصعيد قوت درع الوطن للتحكم بالخارطة والمشهد عسكريا، إضافة لغياب الحاضنة الشعبية في تلك المدن، مثل حضرموت، وشبوة، والمهرة.

بينما في عدن لاتزال التشكيلات العسكرية التابعة للانتقالي دون أي مساس، وجرى فقط تغيير شكلي من خلال الدمج وتغيير المسميات، وإسناد القيادة لبعض الشخصيات التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع الانتقالي، وعملت معه طوال الفترة الماضية، بل ومحسوبة عليه، وتورطت معه بانتهاكات، مثل جلال الربيعي على سبيل المثال.

الأمر الآخر في عدن يتمثل بإسناد مهام في مواقع مفصلية لدى قيادات كانت هي الأخرى محسوبة على المجلس الانتقالي، ولاتزال اليوم تعمل في المنطقة الرمادية، كمحافظ عدن عبدالرحمن شيخ، الذي اتخذ مؤخرا سلسلة قرارات تخدم المجلس الانتقالي، كتغيير مسمى العاصمة، وإزالة الشعار الرسمي للجمهورية اليمنية، وعدم ظهوره على الإطلاق بجوار العلم الرسمي لليمن.

ينطبق ذات الأمر على الوزراء الذين عينوا في الحكومة الجديدة، وكان لهم ارتباطهم الواضح والمؤثر في المجلس الانتقالي سابقا، ولم يصدر عنهم ما يشير لوجود تحول في مواقفهم بعد تسلمهم مناصب رفيعة في تشكيلة الحكومة الجديدة.

ولا يمكن هنا تجاهل المنظومة العميقة والواسعة والمتجذرة التي بناها المجلس الانتقالي طوال السنوات الماضية، وهي شبكة تتكون من قيادات وشخصيات وموظفين يعملون في مناصب حكومية حساسة ومهمة، كالإيرادات المالية، وأقسام الشرطة، والعقارات، والأعمال اللوجستية المرتبطة بالاقتصاد والحركة التجارية، وجميعهم باتوا في موقع نفوذ، ويرون في الواقع الجديد تحديا لمصالحهم، وفي ذهاب الانتقالي خسارة لمناصبهم، وفي عودته ضمان ببقائهم، لذلك من المرجح أن يمثلوا عقبة أمام أي حلول حكومية، خاصة مع ارتباطهم سابقا بكثير من الأزمات الخدمية التي شهدتها المحافظة، إن لم يكن لهم أيضا ارتباط بمنظومة الفساد المالي والإداري المتصلة بالمجلس الانتقالي.

لذلك يتجه الوضع في عدن نحو مزيد من التعقيد والتأزم، يقوده المجلس الانتقالي المنحل، في وجه الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، ويستلزم تغييرا سريعا في طريقة وآليات التعامل مع الانتقالي، وعدم الاكتفاء فقط بقرار حل المجلس، أو اعتبار عيدروس الزبيدي والشخصيات التي غادرت معه المشهد هي المشكلة، وترك المجلس في عدن يمارس تكدير المشهد.

زر الذهاب إلى الأعلى