تقارير
أخر الأخبار

مجلس السلام في غزة: إدارة دولية بقيادة واشنطن تعيد رسم المشهد السياسي والأمني للقطاع

واشنطن- متابعة الوعل اليمني


في تطور سياسي وأمني بالغ الدلالة، أعلنت الإدارة الأميركية، في وقت مبكر من اليوم السبت، عن تشكيل ما أسمته «مجلس السلام» الخاص بقطاع غزة، إلى جانب تعيين ممثل سامٍ للقطاع وقائد لقوة الاستقرار الدولية، في خطوة تعكس انتقالًا واضحًا من مرحلة وقف إطلاق النار إلى محاولة فرض صيغة إدارة دولية متعددة المستويات على غزة، تحت إشراف أميركي مباشر وبمشاركة إقليمية ودولية.

 وبحسب بيان رسمي صادر عن البيت الأبيض، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيرأس مجلس السلام بنفسه، في سابقة تعكس مركزية القرار الأميركي في هندسة مستقبل القطاع سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، مع إنشاء مجلس تنفيذي يتولى إدارة التفاصيل التنفيذية والميدانية للخطة.

وأوضح البيان أن مجلس السلام يضم أعضاء مؤسسين يمثلون ثقلًا سياسيًا وماليًا دوليًا، من بينهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إضافة إلى الرئيس التنفيذي لشركة “أبولو” الاستثمارية الملياردير مارك روان، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، ونائب كبير موظفي البيت الأبيض روبرت غابرييل، في تركيبة تعكس تغليب المقاربة الاقتصادية والإدارية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب.

ويأتي هذا الإعلان في سياق حديث متزايد عن سعي إدارة ترامب إلى صياغة إطار بديل للأمم المتحدة في إدارة النزاعات، خصوصًا في غزة، بما يضع القرار السياسي والأمني في يد واشنطن وحلفائها، ويقلّص الأدوار الأممية التقليدية.

مجلس تنفيذي ودور عربي إقليمي


أما المجلس التنفيذي لغزة، فقد ضم شخصيات أميركية وإقليمية بارزة، من بينها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس جهاز المخابرات المصرية حسن رشاد، ووزير الشؤون الاستراتيجية القطري علي الثوادي، والوزيرة الإماراتية ريم الهاشمي، إلى جانب توني بلير ومارك روان، والملياردير العقاري الإسرائيلي القبرصي ياكير غاباي، والنائبة الأولى السابقة لرئيس وزراء هولندا سيغريد كاغ. وتعكس هذه التركيبة تداخلًا واضحًا بين الأدوار السياسية والأمنية والاقتصادية، وتفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة الدور العربي وحدوده ضمن هذه المنظومة.

وبحسب البيان الأميركي، سيشغل نيكولاي ملادينوف، عضو المجلس التنفيذي، منصب «الممثل السامي لغزة»، حيث سيتولى دور حلقة الوصل الميدانية بين مجلس السلام والهيئات المشرفة على إدارة القطاع.

 وسيدعم إشراف المجلس على مختلف جوانب الحوكمة وإعادة الإعمار والتنمية، مع ضمان التنسيق بين المسارين المدني والأمني، في نموذج يقترب من الوصاية الدولية أكثر من كونه شراكة سياسية مع الفلسطينيين.

ويرى مراقبون أن غياب أي تمثيل فلسطيني مباشر داخل هذا الإطار يطرح إشكاليات جوهرية تتعلق بالشرعية، ويعزز المخاوف من فرض ترتيبات سياسية وأمنية من خارج السياق الوطني الفلسطيني.

قائد قوة الاستقرار الدولية وخلفيته العسكرية

على الصعيد الأمني، أعلن البيت الأبيض تعيين الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز قائدًا لما يسمى «قوة الاستقرار الدولية» في قطاع غزة، وهي قوة لم تتضح بعد تركيبتها أو قواعد عملها، وسط غياب أي إعلان رسمي عن مشاركة دولية فعلية. ويشغل جيفرز منصب قائد القيادة المركزية للعمليات الخاصة الأميركية منذ حزيران 2024، ويتمتع بسجل عسكري حافل بالمشاركات في أبرز الحروب الأميركية في المنطقة.

وشارك جيفرز في غزو العراق عام 2003، حيث شغل مناصب ميدانية كقائد سرية وضابط عمليات جوية، كما عمل مستشارًا لقائد عملية “الدعم الحازم” في أفغانستان، وتولى قيادة وحدات عسكرية خلال عملية “العزم الصلب” في العراق وسوريا ضد تنظيم الدولة. كما شغل مناصب رفيعة في هيئة الأركان المشتركة، من بينها نائب مدير العمليات الخاصة ومكافحة الإرهاب في البنتاغون، قبل أن يتسلّم قيادة القيادة المركزية للعمليات الخاصة.

ويحمل جيفرز خلفية تعليمية عسكرية وأمنية متقدمة، إلى جانب مجموعة من الأوسمة، بينها النجمة البرونزية ووسام الاستحقاق، ما يعكس طابعًا قتاليًا وأمنيًا واضحًا لشخصية أوكلت إليها مهمة الإشراف على غزة في مرحلة ما بعد الحرب.

وتثير هذه الخلفية العسكرية مخاوف فلسطينية من أن تتحول قوة الاستقرار الدولية إلى أداة لضبط القطاع أمنيًا وفق أولويات الولايات المتحدة وإسرائيل، لا إلى قوة حماية أو استقرار بالمعنى المتعارف عليه دوليًا. 

وتزامن الإعلان عن تعيين جيفرز مع تسريبات إعلامية أميركية وإسرائيلية تحدثت عن أن وجود جنرال أميركي على رأس هذه القوة يمنح إسرائيل “الثقة” في آلية عملها.

وفي ظل غياب موافقة دولية واضحة على المشاركة في قوة الاستقرار، ورفض دول عدة الانخراط في ترتيبات تتعلق بنزع سلاح غزة، تبقى الخطة محاطة بقدر كبير من الغموض. وفي المحصلة، يعكس تشكيل مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية توجهًا أميركيًا لإعادة هندسة الواقع السياسي والأمني في غزة عبر إدارة دولية فوقية، تتجاوز الإرادة الفلسطينية، وتعيد إنتاج إدارة الأزمة بدل معالجتها جذريًا، تحت مسمى السلام.

زر الذهاب إلى الأعلى