الأخبارتقارير
أخر الأخبار

مركز حقوقي: الإبادة التعليمية في غزة تهدد مستقبل جيل كامل

غزة – الوعل اليمني 

يشهد قطاع غزة واحدة من أخطر الكوارث التعليمية في تاريخه، في ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما رافقه من تدمير ممنهج للبنية التحتية التعليمية، وقتل واستهداف الطلبة والمعلمين، وتقييد عمل المؤسسات التعليمية، وعلى رأسها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إضافة إلى منع الطلبة من حرية التنقل والسفر لاستكمال تعليمهم.

وبحسب تقارير أممية وحقوقية متخصصة، لم يعد ما يتعرض له التعليم في غزة مجرد تعطيل مؤقت، بل انهيار شامل يرقى إلى مستوى “الإبادة التعليمية”، ويؤدي إلى فاقد تعليمي غير مسبوق يُقدَّر بما يعادل 3 إلى 5 سنوات من التعليم الفعلي، مع آثار كارثية طويلة الأمد على التنمية البشرية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وينذر بظهور ما بات يُعرف بـ”الجيل الضائع” في قطاع غزة.

انهيار التعليم

قال مركز غزة لحقوق الإنسان إن القطاع التعليمي في غزة يشهد انهيارًا شاملًا نتيجة الاستهداف الإسرائيلي الواسع والمستمر، الأمر الذي فاقم من حرمان مئات الآلاف من الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم.

ووفق أحدث البيانات الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة، بما فيها اليونسكو، والأونروا، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فإن ما يقارب 745,000 طالب وطالبة في قطاع غزة حُرموا من التعليم النظامي منذ أكتوبر 2023، وللعام الثالث على التوالي.

ويشمل ذلك نحو 88,000 طالب جامعي توقفت مسيرتهم التعليمية النظامية بالكامل، في سابقة خطيرة تهدد بضياع جيل كامل من الأطفال والشباب الفلسطينيين، وتقوض مستقبلهم العلمي والمهني.

وتشير التقارير الأممية الموثقة إلى أن 95–97٪ من المدارس والمنشآت التعليمية في قطاع غزة تعرضت لأضرار جزئية أو كلية، بما في ذلك المدارس الحكومية، ومدارس الأونروا، والمؤسسات التعليمية الخاصة.

وأكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن عددًا كبيرًا من هذه المنشآت بات غير صالح للاستخدام، ويحتاج إلى إعادة بناء أو ترميم شامل، ما يجعل استئناف العملية التعليمية في الظروف الحالية شبه مستحيل.

تقويض الأونروا

أوضح المركز أن سياسات الاحتلال الرامية إلى تضييق عمل الأونروا، بما في ذلك استهداف منشآتها التعليمية، وعرقلة إدخال المواد والمستلزمات التعليمية، والقيود المفروضة على تمويلها، إضافة إلى حملات التحريض والتشويه ضدها، أسهمت بشكل مباشر في تعميق الأزمة التعليمية في قطاع غزة.

وتُعد الأونروا المزود الرئيسي لخدمات التعليم للاجئين الفلسطينيين، حيث تشرف على مئات المدارس وتقدم التعليم الأساسي لعشرات الآلاف من الطلبة. إن تقويض قدرتها التشغيلية يؤدي إلى حرمان شريحة واسعة من الأطفال اللاجئين من التعليم، ويقوض أي إمكانية حقيقية لاستئناف العملية التعليمية.

أسفر العدوان العسكري الإسرائيلي عن خسائر بشرية غير مسبوقة في صفوف المجتمع التعليمي. ووفقًا لبيانات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية: أفادت بيانات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية بأنه منذ بدء العدوان الإسرائيلي استُشهد أكثر من 20,000 طالب وطالبة، وأُصيب أكثر من 31,000 آخرين بجروح متفاوتة، كما استُشهد نحو 1,037 من المعلمين والإداريين، وأُصيب ما يقارب 4,757 آخرين منهم.

وأكد المركز أن هذه الخسائر أدت إلى تفريغ المدارس والجامعات من كوادرها التعليمية، وأضعفت القدرة المستقبلية على إعادة تشغيل النظام التعليمي، فضلًا عن الآثار النفسية العميقة والممتدة التي يعاني منها الأطفال والمعلمون.

منع السفر

وأشار المركز إلى أن سياسات الإغلاق المشدد ومنع حرية التنقل التي تفرضها سلطات الاحتلال حرمت آلاف الطلبة الفلسطينيين من حقهم في استكمال تعليمهم خارج قطاع غزة.

وأكد تلقيه مئات الشكاوى من طلبة حصلوا على قبولات جامعية ومنح دراسية رسمية في جامعات عربية ودولية، إلا أن الاحتلال منعهم من السفر عبر المعابر، ما أدى إلى خسارة فرص تعليمية وأكاديمية ثمينة، وضياع أعوام دراسية كاملة، وحرمانهم من تخصصات مستقبلية.

وشدد على أن هذا المنع يشكل انتهاكًا صريحًا للحق في التعليم وحرية التنقل، ويأتي في إطار سياسة عقاب جماعي تستهدف فئة الشباب وتقيد مستقبلهم العلمي والمهني.

فاقد تعليمي

بحسب التقارير المتخصصة، فإن الانقطاع التعليمي المطوّل، إلى جانب تدمير المدارس، وتقييد عمل الأونروا، ومنع الطلبة من السفر، أدى إلى فاقد تعليمي غير مسبوق يُقدَّر بما يعادل 3 إلى 5 سنوات من التعليم الفعلي.

وأكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن هذا الفاقد ستكون له آثار كارثية طويلة الأمد على التنمية البشرية، والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وينذر بظهور ما بات يُعرف بـ”الجيل الضائع” في قطاع غزة.

ورغم وجود بعض المبادرات المحدودة التي تنفذها منظمات دولية ومحلية، بما فيها الأونروا، لتوفير بدائل تعليمية مؤقتة، إلا أن المركز أكد أن هذه الجهود لا ترقى إلى تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات التعليمية، في ظل استمرار الإغلاق والاستهداف الممنهج.

مسؤولية قانونية

أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن الاستهداف الإسرائيلي لقطاع التعليم في غزة يرقى إلى الإبادة التعليمية، عبر المحو المنهجي للتعليم من خلال قتل المعلمين والطلاب والموظفين، واعتقالهم وتجويعهم وتشريدهم، إضافة إلى تدمير البنية التحتية التعليمية.

وحمّل المركز سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية القانونية الكاملة عن تدمير البنية التحتية التعليمية، وتضييق عمل الأونروا، ومنع الطلبة من حرية التنقل واستكمال تعليمهم.

دعا مركز غزة لحقوق الإنسان المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى ضمان حرية حركة الطلبة الفلسطينيين وحمايتهم، وتمكينهم من الوصول إلى مؤسساتهم التعليمية داخل فلسطين وخارجها، وفتح تحقيقات دولية مستقلة في جرائم استهداف التعليم بكافة أشكاله، والالتزام بتمويل وإعادة بناء النظام التعليمي في قطاع غزة، وضمان تمويل مستدام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إلى جانب دعم برامج التعافي النفسي والتعليمي للأطفال والطلبة والمعلمين. 

وشدد المركز على أن هذه الهجمات ليست حوادث معزولة، بل تمثل نمطًا ممنهجًا من العدوان يهدف إلى تفكيك أسس المجتمع الفلسطيني، محذرًا من أن استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الكارثة التعليمية المركبة يهدد مستقبل جيل كامل في قطاع غزة.

زر الذهاب إلى الأعلى