مشروع “E1”: تسريع الاستيطان وتهديد الدولة الفلسطينية

فلسطين- الوعل اليمني.
طرحت وزارة الإسكان الإسرائيلية مناقصة لبناء 3401 وحدة استيطانية في مشروع «E1» شرق القدس، في خطوة تُعدّ عمليًا إزالة آخر العقبات الإجرائية قبل التنفيذ الفعلي لأحد أخطر المشاريع الاستيطانية على مستقبل الضفة الغربية. ويقع المشروع على آلاف الدونمات المصادَرة من بلدات القدس الشرقية، ويهدف إلى خلق تواصل جغرافي وديمغرافي مباشر بين مستوطنة «معاليه أدوميم» والقدس المحتلة، بما يعني ضمّها فعليًا وتوسيع حدود بلدية الاحتلال.
كشفت منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية المعارضة للاستيطان عن نشر العطاء، معتبرة أن هذه الخطوة تعكس تسريعًا غير مسبوق للجهود الحكومية لدفع البناء في منطقة «E1». وقال مدير قسم مراقبة الاستيطان في المنظمة، يوني مزراحي، إن الأعمال الأولية قد تبدأ خلال شهر، ما يشير إلى انتقال المشروع من حيّز التخطيط المجمّد منذ عقود إلى مرحلة التنفيذ الميداني.
القدس الشرقية تحت التهديد
بدورها، اعتبرت محافظة القدس أن طرح المناقصة يشكّل «إعلانًا عمليًا لحرب استعمارية على حق الشعب الفلسطيني في الوجود والحياة»، وانتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. وأكدت أن المشروع لا يهدف فقط إلى توسيع الاستيطان، بل إلى تهجير التجمعات البدوية الفلسطينية، وإحكام السيطرة الاستعمارية الكاملة على المنطقة، وفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وعزل القدس المحتلة عن محيطها الفلسطيني.
ضربة قاضية لحل الدولتين
يُجمع خبراء ومؤسسات دولية على أن تنفيذ مشروع «E1» سيقضي فعليًا على إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا. هذا التقدير لم يعد مقتصرًا على الجانب الفلسطيني أو المجتمع الدولي، بل أقرّ به صراحة وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، الذي أعلن في آب/أغسطس 2025 الموافقة النهائية على الخطة، قائلاً: «يتم شطب الدولة الفلسطينية من على الطاولة ليس بالشعارات بل بالأفعال. كل وحدة سكنية هي مسمار آخر في نعش هذه الفكرة».

رؤية المستوطنين لعام 2026
في السياق ذاته، كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن خطة استيطانية متسارعة في الضفة الغربية، تُنفَّذ بإشراف قادة المستوطنين وبدعم مباشر من وزراء في حكومة الاحتلال، وتهدف إلى فرض وقائع ميدانية تُقوّض التواصل الجغرافي الفلسطيني وتُجهض أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية.
ووفق الصحيفة، فإن قادة المستوطنين، إلى جانب الوزيرين سموتريتش وأوريت ستروك، يرسمون منذ الآن ملامح عام 2026، مع تركيز خاص على جلب عائلات كاملة للاستيطان في مستوطنات صادق عليها الكابينت، بعضها أُقيم على أراضٍ كانت حتى وقت قريب خالية تمامًا. وتشير التقديرات إلى تصاعد وشيك في وتيرة الانتقال إلى المستوطنات، بالتوازي مع توسّع أعمال البنية التحتية وبدء البناء الفعلي.
خنق المدن الفلسطينية
تصف «يديعوت» ما يجري في الأغوار وأريحا بأنه استنساخ لنموذج شمال الضفة الغربية، حيث تُحاصر المدن الفلسطينية بسلاسل من المستوطنات والمزارع الاستيطانية، ما يحوّلها إلى جيوب معزولة جغرافيًا. ويتكرر النموذج ذاته في جنوب الخليل، وحول شارع 443، وفي محيط مستوطنات غرب رام الله، ضمن رؤية استيطانية تعتبر هذا التوسع «ضرورة أمنية» بعد السابع من أكتوبر.
بحسب التقرير، أعلنت إسرائيل حتى الآن عن أكثر من 25 ألف دونم كأراضي دولة، وصادقت على نحو 45 ألف وحدة سكنية استيطانية جديدة. ويأتي ذلك في إطار اتفاق الائتلاف الحكومي بين بنيامين نتنياهو وتيار «الصهيونية الدينية»، الذي نصّ على إقامة 70 مستوطنة، اتُّخذت قرارات فعلية بشأن 69 منها، أكثر من 20 مستوطنة جديدة كليًا.
تشريعات تُمهّد للضم
لم تقتصر التغييرات على البناء الميداني، بل شملت تحولات تشريعية جوهرية، أبرزها إلغاء شرط مصادقة وزير الجيش ورئيس الحكومة على كل مرحلة من مراحل البناء الاستيطاني، ونقل صلاحيات واسعة من الإدارة المدنية التابعة للجيش إلى جهات مدنية. كما أُنشئت مديرية ترخيص خاصة بإشراف سموتريتش لإدارة هذه المنظومة، ما مهّد لفرض سيادة إسرائيلية فعلية بحكم الأمر الواقع.
عام 2025: ذروة الاستيطان
ويؤكد تقرير حديث لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن عام 2025 شكّل ذروة غير مسبوقة في سياسات السيطرة على الأرض الفلسطينية، إذ تفرض سلطات الاحتلال سيطرتها الفعلية على نحو 41% من مساحة الضفة الغربية، وتتحكم بما يقارب 70% من المناطق المصنفة (ج)، إضافة إلى أكثر من 90% من مساحة الأغوار.
وقال مدير التوثيق والنشر في الهيئة، أمير داوود لوكالات محلية، إن الاحتلال تعامل مع عام 2025 باعتباره «فرصة لن تتكرر» للانقضاض على ما تبقى من الأرض الفلسطينية، عبر المصادرة والتقطيع والعبث المنهجي بالجغرافيا، بالتوازي مع تصعيد التشريعات داخل الكنيست لتكريس الضمّ الزاحف.
ويشير التقرير إلى أن ما يجري على الأرض تجاوز الخطوط الحمراء التاريخية، خصوصًا في قوانين الأراضي والعقارات وتغيير المسميات، وفرض سيادة فعلية دون إعلان رسمي عن الضم. ويرى داوود أن غياب خطوات دولية عملية، رغم الانتقادات السياسية، وفّر غطاءً سمح للاحتلال بالمضي في مشاريع شديدة الحساسية مثل «E1».
ملامح 2026
يحذّر التقرير من أن عام 2026 قد يشهد موجات جديدة من مصادرة الأراضي، مع قرارات بإقامة 22 مستوطنة جديدة، و13 حيًا استيطانيًا، وإلحاق 19 مستوطنة أخرى، إلى جانب مئات أوامر الهدم وتصاعد إرهاب المستوطنين بدعم رسمي.
في المحصلة، تُظهر هذه المعطيات أن مناقصة «E1» ليست خطوة معزولة، بل حلقة مركزية في استراتيجية متكاملة تهدف إلى تثبيت الضمّ الزاحف، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وإغلاق أي أفق سياسي لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، في ظل صمت دولي يقتصر على البيانات دون إجراءات رادعة.






