
فلسطين- متابعة الوعل اليمني
في خضم التحركات الإقليمية والدولية المتسارعة بشأن قطاع غزة، برز معبر رفح مجددًا بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، ليس فقط من زاوية إنسانية، بل باعتباره ورقة سياسية وأمنية مركزية في ترتيبات ما يُعرف بالمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب على غزة.
وفد فلسطيني إلى القاهرة
في هذا السياق، وصل اليوم الأحد، وفد فلسطيني رفيع المستوى إلى العاصمة المصرية القاهرة لبحث جملة من القضايا المرتبطة بتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، يتقدمها ملف معبر رفح، إلى جانب تطورات الأوضاع الأمنية والاقتصادية في الضفة الغربية المحتلة. ووفق مصادر فلسطينية، يترأس الوفد نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، وعضو اللجنة المركزية ومدير جهاز المخابرات العامة ماجد فرج.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن الدور المتوقع للسلطة الفلسطينية في بداية المرحلة الثانية سيقتصر على إدارة الجانب الفلسطيني من معبر رفح، ضمن آلية تشغيل تستند إلى اتفاق عام 2005، وبوجود رقابة أوروبية ومتابعة أمنية إسرائيلية عن بُعد. وتشير التقديرات إلى انتشار نحو 200 عنصر من الحرس الرئاسي والأجهزة الأمنية الفلسطينية بملابس مدنية، إضافة إلى طواقم فنية ولوجستية.
فتح مشروط وتأخير إسرائيلي
رغم ما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ تنفيذه في أكتوبر الماضي، لم تُصدر إسرائيل حتى الآن إعلانًا رسميًا بإعادة فتح معبر رفح. ويأتي هذا التردد الإسرائيلي في ظل تباينات داخل الحكومة، وضغوط من أقطاب اليمين الرافضين لأي دور للسلطة الفلسطينية في غزة، مقابل ضغط أميركي متزايد لتسهيل حركة الأفراد والبضائع.
في المقابل، شددت القاهرة في أكثر من مناسبة على رفضها القاطع لفتح المعبر باتجاه واحد فقط، مؤكدة أن أي تشغيل يجب أن يكون في الاتجاهين، بما يضمن عدم تكريس واقع التهجير القسري لسكان القطاع.
تسريبات عبرية واستعدادات ميدانية
وسائل الإعلام العبرية كشفت اليوم الأحد، عن استعدادات إسرائيلية متقدمة لإعادة فتح المعبر. وأفادت القناة 12 وهيئة البث الإسرائيلية بأن المؤسسة الأمنية تتهيأ لتلقي قرار سياسي بفتح المعبر خلال أيام، عقب عودة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من واشنطن.
وبحسب صحيفة «هآرتس»، فإن القرار المبدئي قد اتُّخذ، على أن يُنفذ تحت إشراف أمني مشدد. ووفق الخطة المتداولة، سيخضع الفلسطينيون المغادرون من غزة لإجراءات تفتيش عن بُعد عبر أنظمة محوسبة، بينما يُفرض تفتيش جسدي مباشر على العائدين إلى القطاع، من خلال نقطة تفتيش أُنشئت في منطقة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي قرب رفح.
الآلية المقترحة
التقارير الإسرائيلية والغربية تتقاطع عند نقطة أساسية مفادها أن قوات أوروبية ستلعب دورًا محوريًا في تشغيل ومراقبة المعبر. وقد أكدت مصادر عبرية وصول هذه القوات إلى إسرائيل، واستعدادها للانتشار فور صدور القرار السياسي النهائي.
وتنص خطة ترامب لإنهاء الحرب على أن يعمل معبر رفح وفق الآلية نفسها التي طُبقت خلال وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025، وهي المرة الأخيرة التي فُتح فيها المعبر بشكل كامل. وبموجب هذه الآلية، تتولى السلطة الفلسطينية إدارة الجانب الفلسطيني من دون إبراز رموز رسمية، مراعاة لما تصفه إسرائيل بـ«الحساسية السياسية» تجاه وجود السلطة في غزة.
تفاهمات وضغوط
سياسيًا، عاد نتنياهو من واشنطن وسط حديث عن «تنازلات» قدّمها للإدارة الأميركية، في مقدمتها ملف معبر رفح. ووفق التسريبات، فإن ترامب يضغط باتجاه الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، مع الإبقاء على ملف نزع سلاح حركة حماس ضمن مسار تفاوضي لاحق.
وفي هذا الإطار، أكد نتنياهو أن الرئيس الأميركي يشدد على نزع سلاح حماس كجزء أساسي من الخطة، في حين ترى أوساط إسرائيلية أن هذا الشرط مرتبط بتنفيذ كامل بنود المرحلة الثانية، وليس بالبدء بها.
القلق الإقليمي
بالتوازي مع هذه التحركات، أصدرت مصر وست دول إسلامية بيانًا مشتركًا أعربت فيه عن قلقها من التدهور الحاد في الوضع الإنساني بقطاع غزة، خاصة في ظل الظروف الجوية القاسية، مطالبة إسرائيل بضمان عمل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والسماح الفوري بإدخال المساعدات الإنسانية دون عوائق.
في المحصلة، بات معبر رفح اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية إسرائيل في الالتزام بتفاهمات التهدئة، ولقدرة واشنطن على فرض انتقال فعلي إلى المرحلة الثانية من الاتفاق. وبين الحسابات الأمنية الإسرائيلية، والضغوط الأميركية، والمواقف المصرية والفلسطينية، يبقى المعبر عنوانًا لصراع الإرادات، وأملًا هشًا لسكان غزة الباحثين عن نافذة حياة وسط حصار ممتد.






