الأخبار
أخر الأخبار

مقايضة الوجود: هل تشتري خطة ‘مجلس السلام’ أمن إسرائيل بركام غزة؟”

غزة – متابعة الوعل اليمني 

في توقيت سياسي بالغ الحساسية، كشفت تقارير إعلامية، نقلًا عن وكالة “رويترز”، عن تفاصيل خطة أعدّها ما يُعرف بـ”مجلس السلام” التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تستهدف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، وعلى رأسها حركة حماس، ضمن جدول زمني يمتد لثمانية أشهر. وتُطرح هذه الخطة باعتبارها مدخلًا لإنهاء الحرب وبدء إعادة الإعمار، إلا أن مضامينها تثير تساؤلات جدية حول أهدافها الحقيقية وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع.

وبحسب ما ورد في الوثائق، تتكوّن الخطة من شقّين رئيسيين؛ الأول يتضمن 12 بندًا تحت عنوان “خطوات استكمال تنفيذ خطة ترامب للسلام الشامل في غزة”، فيما يتمثل الشق الثاني في جدول زمني مفصل من خمس مراحل لتسليم السلاح بشكل تدريجي. وتبدأ الخطة بتسليم إدارة القطاع أمنيًا وإداريًا إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية تُعرف باسم “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، مدعومة من الولايات المتحدة، على أن تنتهي بانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية بعد “التحقق النهائي من خلو القطاع من السلاح”.

وترتكز الخطة على مبدأ “سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”، إذ تنص على وقف جميع الأنشطة العسكرية للفصائل المسلحة، والسماح فقط بحيازة السلاح من قبل جهات مخولة من اللجنة الوطنية. كما تُلزم جميع الفصائل، بما فيها حركة الجهاد الإسلامي، بالمشاركة في عملية نزع السلاح، التي ستُدار فلسطينيًا بإشراف دولي عبر لجنة للتحقق من جمع الأسلحة، يقودها المبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف، وبدعم من قوة استقرار دولية.

وفي سياق متصل، تربط الخطة بشكل واضح بين إعادة الإعمار ونزع السلاح، حيث تشترط تنفيذ مشاريع البناء فقط في المناطق التي يتم تصنيفها كمناطق “منزوعة السلاح”، ما يعكس توجهًا لفرض واقع أمني جديد كمدخل لأي تحسن إنساني أو اقتصادي في القطاع. كما تشير المعطيات إلى وجود حوافز اقتصادية، تشمل استثمارات ووعودًا بإعادة الإعمار وربما عفوًا، بهدف دفع الفصائل إلى القبول بالخطة، رغم الشكوك حول توفر التمويل اللازم، إذ لم يُصرف سوى جزء محدود من تعهدات مالية قُدرت بنحو 7 مليارات دولار.

وعلى مستوى التنفيذ، تحدد الخطة مسارًا تدريجيًا يبدأ خلال الأيام الخمسة عشر الأولى بتسلم اللجنة الوطنية كامل الصلاحيات الأمنية والإدارية، مع الشروع في التحضيرات لحصر السلاح. ثم تتبعها مرحلة تمتد من اليوم السادس عشر حتى الأربعين، يتم خلالها سحب الأسلحة الثقيلة الإسرائيلية من مناطق السيطرة، بالتوازي مع نشر قوة أمنية دولية. أما المرحلة الأكثر حساسية، والتي تمتد حتى اليوم التسعين، فتتضمن تسليم الفصائل أسلحتها الثقيلة وتدمير الأنفاق والبنية التحتية العسكرية. وفي المراحل اللاحقة، يتم جمع الأسلحة الخفيفة وبدء انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، وصولًا إلى مرحلة “التحقق النهائي” التي يُفترض أن تنتهي بانسحاب كامل وبدء إعادة إعمار شاملة.

ورغم هذا الطرح التفصيلي، تواجه الخطة انتقادات فلسطينية واسعة، إذ يرى مسؤولون أنها تُعطي أولوية لنزع السلاح على حساب قضايا أساسية مثل إنهاء الاحتلال وإعادة الإعمار. كما أبدت فصائل فلسطينية، من بينها الجهاد الإسلامي، رفضها للخطة، معتبرة أنها تفرض شروطًا أمنية دون تقديم ضمانات سياسية حقيقية. ويعزز هذا الموقف غياب أي إشارة في الوثيقة إلى إقامة دولة فلسطينية أو مسار سياسي واضح ينهي الصراع، وهو ما تعتبره حماس شرطًا أساسيًا لأي نقاش جدي حول سلاحها.

وفي السياق ذاته، تبرز معضلة الضمانات كإحدى أبرز نقاط الضعف في الخطة، إذ لا تتضمن آليات واضحة تُلزم إسرائيل بتنفيذ انسحابها الكامل، أو تمنع إعادة التصعيد لاحقًا. ومع استمرار سيطرة إسرائيل على أجزاء واسعة من القطاع، وإصرارها على ربط الانسحاب بنزع سلاح حماس، تبدو فرص تطبيق الخطة مرهونة بتفاهمات معقدة لم تتبلور بعد.

في المحصلة، تضع هذه الخطة قطاع غزة أمام معادلة شائكة تجمع بين نزع السلاح وإعادة الإعمار، لكنها تفتح في الوقت ذاته بابًا واسعًا للتساؤل حول ما إذا كانت تمثل خطوة نحو حل شامل، أم أنها مجرد محاولة لإعادة تشكيل الواقع الأمني دون معالجة جذور الصراع السياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى