الأخبار
أخر الأخبار

“من أفواه قادتهم”: أرشيف إسرائيل المسرّب يصدق الرواية الفلسطينية للنكبة

أعادت وثائق إسرائيلية كُشف عنها مؤخرًا الجدل حول حقيقة ما جرى خلال النكبة الفلسطينية عام 1948، بعدما أظهرت مضامين تؤكد ما ظل الفلسطينيون يروونه لعقود عن التهجير القسري والمجازر المنظمة. وتأتي أهمية هذه الوثائق من كونها صادرة عن قادة عسكريين إسرائيليين، ما يمنحها بعدًا توثيقيًا يتجاوز السجال السياسي إلى الإقرار الأرشيفي المباشر.

الوثائق التي نُشرت عبر صحيفة “هآرتس” العبرية واستند إليها المؤرخ الإسرائيلي آدم راز، تكشف أن ما جرى لم يكن حوادث معزولة أو تصرفات فردية، بل سياسة ميدانية تضمنت أوامر واضحة تتعلق بالقتل والتدمير والترهيب لدفع السكان الفلسطينيين إلى مغادرة قراهم ومدنهم.

وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أكدته الكاتبة الإسرائيلية عميرة هاس، التي رأت أن الحديث عن “كشف الحقيقة لأول مرة” يتجاهل أن الفلسطينيين وثقوا روايتهم منذ اللحظة الأولى عبر شهادات الناجين والمهجرين، وأن الأرشيف لا يصنع الحقيقة بقدر ما يعيد الاعتراف بها.

أوامر مكتوبة صريحة

من بين أبرز الوثائق، أمر عسكري كتبه قائد الكتيبة 12 في لواء “غولاني” يتسحاق بروشي في تموز/ يوليو 1948 بعنوان “التصرف في القرى المحتلة المأهولة بالسكان”. تضمن الأمر تعليمات بإطلاق النار على من لا يمتثل للتفتيش العسكري، ومعاقبة القرى بشكل جماعي، وصولًا إلى هدمها بالكامل.

كما كشفت الوثائق عن تعليمات بقتل من يُشتبه بوجوده في القرى بعد احتلالها، ومنع أي محاولة لعودة السكان، إضافة إلى استخدام القوة المفرطة ضد مدنيين، بينهم نساء وأطفال. وأظهرت نصوص أخرى أن الطرد لم يكن نتيجة “هروب طوعي” كما روّجت الرواية الإسرائيلية الرسمية، بل جاء ضمن سياسة منهجية هدفت إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

وتشير شهادات ضباط كبار أدلوا بإفاداتهم في محاكمات لاحقة إلى أن الإرهاب كان وسيلة معتمدة لتحقيق الطرد. بعضهم أقر صراحة بأن تهجير عشرات الآلاف لم يكن ممكنًا دون بث الرعب في صفوف المدنيين، وأن عمليات القتل استُخدمت كأداة لتحقيق هذا الهدف.

شهادات تقر بالطرد

في ملفات سُمح بنشرها بعد التماسات قضائية، وردت اعترافات لضباط تحدثوا عن تدمير قرى وقتل سكان بهدف ضمان المغادرة وعدم العودة. وأكدت شهادات أن الأوامر الخطية كثيرًا ما كانت تُخفف لغتها، بينما صدرت التعليمات الحاسمة شفهيًا لقادة الوحدات الميدانية.

كما كشفت وثائق أخرى عن جرائم ارتُكبت بعد توقيع اتفاقات وقف إطلاق النار، بما في ذلك إطلاق النار على أي عربي يُصادف في مناطق معينة، في إطار سياسة تهدف إلى تثبيت واقع التهجير ومنع عودة اللاجئين. وفي بعض القضايا، اقتصرت المحاسبة على مخالفات محدودة، بينما جرى التغاضي عن القتل باعتباره منسجمًا مع الأوامر السائدة آنذاك.

هذه المعطيات، وفق باحثين إسرائيليين، تنسف المزاعم التقليدية التي حمّلت القيادات العربية مسؤولية مغادرة السكان، وتؤكد أن الطرد جرى ضمن خطة عسكرية وسياسية أوسع، استندت إلى استخدام العنف المنهجي لتحقيق تغيير ديمغرافي.

أرشيف مغلق وأسئلة مفتوحة

ورغم ما كُشف حتى الآن، لا يزال الجزء الأكبر من الأرشيف الإسرائيلي المتعلق بعام 1948 مغلقًا أمام الجمهور. وتشير تقديرات إلى أن أكثر من 16 مليون ملف من أصل 17 مليونًا محفوظة في أرشيفات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية لم يُتح الاطلاع عليها بعد.

وتظهر وثائق سابقة أن الرقابة العسكرية تحظر نشر مواد قد “تمس بصورة الجيش” أو تكشف عن أوامر باستهداف مدنيين وطردهم أو تجاهل رفع الرايات البيضاء. وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة المواد التي لا تزال طي الكتمان، وما إذا كانت ستضيف تفاصيل أخرى إلى الصورة التي بدأت تتضح تدريجيًا.

في المحصلة، تؤكد هذه الوثائق أن النكبة لم تكن مجرد نتيجة جانبية لحرب، بل مسارًا رافقته سياسات واضحة لإعادة تشكيل الواقع السكاني. وبينما تضيف الأوراق الجديدة تفاصيل دقيقة، فإنها تعيد تثبيت سردية ظل الفلسطينيون يروونها منذ أكثر من سبعة عقود، في انتظار اعتراف كامل بما جرى.

المصدر: وكالات.

زر الذهاب إلى الأعلى