د. علي العسلي
لم يأتِ خطاب الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي هذه المرة امتدادًا لخطاب التوازنات الذي وسم خطاباته السابقة، بل شكّل انعطافة محسوبة في نبرة القيادة ومضمونها. فالجديد غير المألوف في هذا الخطاب لا يتمثل في إعادة تأكيد الثوابت، ولا في استدعاء المرجعيات المعتادة، وإنما في الإعلان الصريح عن الانتقال من إدارة التعدد العسكري إلى توحيد القرار العسكري.
هذا التحول تجلّى بوضوح في الإعلان عن تشكيل لجنة عسكرية عليا تتولى إعداد وتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات، وتعمل ضمن إطار قيادة قوات تحالف دعم الشرعية؛ وهو ما يجعل الخطاب مختلفًا في جوهره، وأكثر حسمًا في دلالاته، وأبعد من كونه مجرد توصيف سياسي للواقع القائم، ليقترب من كونه إعلان نية لإعادة ضبط معادلة القوة والقرار معًا.
جاء الخطاب عقب نجاح عملية استعادة المعسكرات في محافظتي حضرموت والمهرة، وبدرجات متفاوتة في العاصمة المؤقتة عدن وعدد من المحافظات الجنوبية، وهو ما أكسب الإعلان مصداقيته العملية قبل أن يمنحه شرعيته الخطابية. فالخطاب هنا لم يأتِ لتبرير قرار، بل لتقنين نتيجة، وتحويل الفعل الميداني من إجراء أمني عابر إلى مسار سياسي–مؤسسي يمس جوهر الدولة ووظيفتها الاحتكارية في امتلاك واستخدام القوة.
واستعادة المعسكرات، بوصفها أحد أخطر تجليات اختلال الدولة، تعني عمليًا كسر منطق السلاح غير القانوني، وإنهاء تعدد مراكز القرار العسكري والمدني، والانتقال من مرحلة التعايش القَلِق مع الفوضى إلى مرحلة استعادة هيبة الدولة باعتبارها الإطار الوحيد المنظِّم للقوة. غير أن الأهم من فعل الاستعادة ذاته هو ما ترتب عليه سياسيًا: الانتقال إلى قرار مركزي موحّد، يضع حدًا نهائيًا لظاهرة “الكانتونات المسلحة” التي أنهكت الشرعية، وقزّمت قدرتها على الفعل، وحوّلتها طوال سنوات إلى سلطة تفاوض القوة بدل أن تمارسها.
إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة التحالف لا يحمل بعدًا تنظيميًا فحسب، بل يؤسس لتحول استراتيجي عميق، يتمثل في سحب “الزر العسكري” من أيدي القيادات المتعددة، وربطه بغرفة عمليات واحدة، مسنودة إقليميًا، وقادرة على فرض الانضباط ومنع الانزلاق إلى صراعات داخلية مدمّرة. وفي هذا المعنى، ينتقل موقع رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة وكافة التشكيلات العسكرية، من منسّق للتوازنات إلى قائد أعلى يمسك بمفتاح القوة ضمن إطار شرعي ودستوري واضح.
في هذا السياق، حمل الخطاب تلويحًا محسوبًا باستخدام القوة عند الضرورة، لا باعتبارها خيارًا مفضلًا، بل كأداة أخيرة لحماية الدولة والمجتمع. وقد حرص الرئيس على التأكيد أن القرارات الصعبة لم تُتخذ بدافع الاستقواء، بل لحماية المواطنين وصون كرامتهم، في لحظة لا تحتمل الغموض أو المساومة، وهي صياغة تستهدف نزع الشرعية عن أي تمرد مسلح يُقدَّم تحت ذرائع سياسية أو حقوقية.
ولا تتوقف دلالات الخطاب عند البعد العسكري، بل تمتد إلى البعد المؤسسي الأشمل. فإذا كانت الدولة قد نجحت في استعادة المعسكرات، فإن استكمال استعادة المؤسسات المدنية والإيرادية يصبح مسارًا منطقيًا لا غنى عنه، بما يشمل ضبط الموارد العامة، وتوريد الإيرادات إلى البنك المركزي اليمني، وإنهاء الاقتصاد الموازي الذي نما في ظل السلاح وتفكك السلطة.
وفي هذا الإطار، يضع الخطاب جماعة الحوثي أمام معادلة واضحة لا لبس فيها: إما الانخراط الجاد في تنفيذ المسار السياسي، وفق خارطة الطريق الأممية والمرجعيات المعترف بها، أو مواجهة واقع جديد قوامه سلطة موحدة قادرة على فرض السلام بالقوة إذا فشلت الخيارات السلمية. وهي معادلة تعني أن خيار السلم لا يزال قائمًا، لكنه لم يعد خيارًا مجانيًا، وأن مرحلة التفاوض من موقع التشتت قد انتهت.
في المقابل، تعامل الخطاب مع القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية عادلة تُحل بالحوار لا بالقوة، مع تأكيد الالتزام بمخرجات الحوار الجنوبي الشامل في إطار الحل السياسي الشامل في اليمن، وبرعاية إقليمية وضمانات دولية، مقابل رفض صريح لأي توظيف للسلاح خارج إطار الدولة. وهي معادلة دقيقة تجمع الاحتواء السياسي بالحزم السيادي، وتغلق الباب أمام منطق فرض الوقائع بالقوة.
كما جاءت الدعوة إلى تسليم السلاح وإعادة المنهوبات، خصوصًا العسكرية منها، بوصفها نافذة أخيرة للعودة الطوعية إلى صف الدولة، قبل الانتقال من منطق المبادرة إلى منطق الإلزام، في رسالة لا تخلو من الوضوح والحزم.
ختامًا…
لا يعلن خطاب الرئيس العليمي حربًا، لكنه يضع شروط السلام الحقيقي؛ سلام يقوم على دولة واحدة، وسلاح واحد، وقرار واحد، لا على توازنات مؤقتة أو مساومات هشة. إنه خطاب يؤكد أن حماية كرامة المواطن لا تنفصل عن استعادة هيبة الدولة، وأن المسؤولية الوطنية في هذه اللحظة التاريخية تقتضي الانحياز للدولة بوصفها الضامن الوحيد للعدل والاستقرار والمستقبل المشترك. فالدولة التي بدأت بتوحيد قرارها العسكري، إنما تفتح الطريق – إن صدقت الإرادة واستكملت المسارات – نحو استعادة اليمن.

مظلومية إتهام الشمال بظلم الجنوب
الرئيس رشاد العليمي: عدن ليست عقدة… وردّ الاعتبار للجمهورية يبدأ من صنعاء
دراجيات.. على أبواب نهائي عربي !
بيني وبينك.. في مديح الابتِلاء