من الهامش إلى طاولة القرار :ماذا تعني مشاركة النساء في حكومة الزنداني

خاص
في بلد أنهكته الحرب، وتكسرت فيه مفاهيم الدولة والعدالة والفرص المتكافئة، لا تمر مشاركة النساء في أي حكومة مرور الخبر العابر. في اليمن، حيث تراجعت مكاسب النساء عقودا إلى الوراء تحت وطأة الصراع والانقسام، تصبح كل امرأة تدخل مشهد القرار سؤالا مفتوحا: هل نحن أمام تحول حقيقي، أم مجرد محاولة تجميلية لواجهة سلطة مثقلة بالأزمات؟
تشكيل حكومة شائع الزنداني أعاد هذا السؤال إلى الواجهة، خصوصا مع الحديث عن حضور نسائي في تركيبتها، في لحظة سياسية حرجة، تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع الانهيار الاقتصادي، وتتصاعد فيها معاناة النساء كأكثر الفئات تضررا من الحرب.
مشاركة تحت المجهر
ليست المشكلة في عدد النساء المشاركات بقدر ما هي في سياق المشاركة. فاليمنيات لم يكنّ غائبات عن الشأن العام يوما، بل كن في الصفوف الأولى منذ ثورة 11 فبراير، وفي ساحات الإغاثة، والتعليم، والإعلام، والعمل الحقوقي، ودفعن أثمانا باهظة من أرواحهن وأمنهن وأسرهن. لكن هذا الحضور الشعبي لم ينعكس، تاريخيا، على مستوى القرار السياسي.
الناشطة السياسية هدى العطاس ترى أن “إشراك النساء في هذه المرحلة لا يجب أن يقرا كمنه سياسية، بل كاستحقاق مؤجل. السؤال الحقيقي هو: هل ستمنح النساء صلاحيات حقيقية أم سيترك لهن مقعد بلا تأثير؟”.
بين الرمز والتمكين
في ظل حكومة تواجه ملفات شائكة كرواتب الموظفين، وانهيار العملة، وملف السلام، وإعادة الإعمار، يصبح وجود النساء اختبارا لنوايا السلطة. فالمشاركة الرمزية، بحسب ناشطات، قد تكون أكثر ضررا من الإقصاء، لأنها تخلق وهما بالتمكين دون تغيير فعلي.
تقول الناشطة الحقوقية أروى سعيد للوعل اليمني إن “وضع امرأة في الحكومة دون أدوات، ودون بيئة سياسية داعمة، يجعلها واجهة لقرارات لا تصنعها. التمكين الحقيقي يعني أن تكون المرأة جزءا من صناعة القرار، لا شاهدة عليه”.
واقع النساء… أبعد من المناصب
في الوقت الذي تناقش فيه أسماء النساء في الحكومة، تعيش ملايين اليمنيات واقعا قاسيا: أرامل بلا معيل، نازحات بلا مأوى، معلمات بلا رواتب، وطالبات يحرمن من التعليم. هذا التناقض يطرح سؤالا أخلاقيا: هل تستطيع الحكومة أن تمثل النساء وهي عاجزة عن حماية أبسط حقوقهن؟
الناشطة الاجتماعية فاطمة الصبري تشير إلى أن “أي حديث عن مشاركة سياسية للنساء يجب أن يبدأ من الأرض. من القرى التي تزوج فيها الطفلات، ومن المدن التي تموت فيها الأمهات أثناء الولادة، ومن المدارس التي أغلقت أبوابها في وجه البنات”.
الفرصة الضائعة
لا يمكن فصل حضور النساء في الحكومة عن السياق الدولي. فملف المرأة أصبح ورقة ضغط أساسية في تعامل المجتمع الدولي مع الحكومات، خصوصا في الدول الخارجة من نزاعات. لكن تحويل هذا الضغط إلى تغيير حقيقي يتطلب إرادة داخلية، لا مجرد استجابة شكلية.
ترى الباحثة في قضايا النوع الاجتماعي سلوى الشرجبي أن “الحكومات اليمنية المتعاقبة تعاملت مع ملف المرأة كشرط خارجي، لا كقضية وطنية. إذا استمرت هذه العقلية، فلن نرى تحولا حقيقيا، بل إعادة إنتاج للفشل بلغة جديدة”.
في لحظة الانهيار، تمتلك النساء، بحسب مختصات، مقاربة مختلفة للحكم، تقوم على الأولويات الإنسانية، وإدارة الأزمات من زاوية المجتمع لا السلطة فقط. فالنساء كن في الخطوط الأمامية للإغاثة، والتماسك المجتمعي، والتعليم البديل، وهو ما يمنحهن خبرة عملية في التعامل مع الأزمات.
تؤكد الناشطة والإعلامية ابتسام المقطري لموقع الوعل اليمني ” أن اليمنيات أثبتن قدرتهن على إدارة ملفات معقدة في ظروف أخطر من ظروف الحكومة. المشكلة ليست في الكفاءة، بل في إتاحة الفرصة
الإقصاء الناعم
رغم التفاؤل الحذر، تسود مخاوف من أن تتحول مشاركة النساء إلى ما تسميه ناشطات “الإقصاء الناعم”، حيث يتم تحميل المرأة فشل المنظومة، أو تهميشها داخل دوائر القرار الذكورية، أو استخدامها كدرع إعلامي تحذر الناشطة السياسية نجلاء عبد العزيز من أن ” إقصاء النساء اليوم لن يكون بالصوت العالي، بل بالتجاهل، وبإفراغ أدوارهن من مضمونها
مشاركة النساء في حكومة شائع الزنداني ليست تفصيلا، بل مرآة لمدى جدية السلطة في بناء دولة ما بعد الحرب. دولة لا يمكن أن تبني بنصف مجتمع، ولا أن تستعيد عافيتها دون الاعتراف بدور النساء كشريكات كاملات، لا كزينة سياسية.
في هذا الظرف الاستثنائي، تصبح مشاركة النساء إما بداية تصحيح لمسار طويل من الإقصاء، أو فرصة أخرى تهدر باسم التوازنات والضغوط. والفيصل، كما تقول ناشطات، ليس في الأسماء، بل في القرارات التي ستتخذ، ومن سيصنعها، ولصالح من.






