خاص/ الوعل
مع اقتراب عيد الفطر، تعيش آلاف الأسر النازحة في محافظة الضالع أوضاعًا إنسانية صعبة، تتضاعف حدتها خلال شهر رمضان في ظل انقطاع الدعم الإنساني وتراجع حضور المنظمات الإغاثية التي كانت تقدم مساعدات أساسية للمخيمات. وقد أدى توقف تلك المساعدات إلى تفاقم الأعباء المعيشية على النازحين، في وقت تتزايد فيه احتياجات الأسر للغذاء والمياه والخدمات الصحية، الأمر الذي جعل كثيرًا منهم يواجهون واقعًا يوميًا مليئًا بالتحديات، وسط بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وبحسب المسؤول الإعلامي للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في مديرية قعطبة، محمد مصلح، فإن عدد الأسر النازحة في محافظة الضالع يبلغ نحو تسعة آلاف أسرة، أي ما يقارب 63 ألف نسمة، موزعين على أكثر من ثلاثين مخيمًا وتجمعًا سكنيًا.
وتشير البيانات إلى أن موجات النزوح بدأت منذ عام 2015 عقب توسع الحرب واقتحام جماعة الحوثي لمحافظة الضالع ونشوب الحرب فيها، ثم ازدادت بشكل كبير عام 2019 مع توسع رقعة الصراع في مناطق شمال الضالع، ما دفع آلاف الأسر من مديريات دمت وجبن والحشاء إلى النزوح نحو المديريات المحررة في قعطبة والضالع.
هذا التدفق الكبير للنازحين خلق ضغطًا سكانيًا ملحوظًا في المدن والمناطق الآمنة نسبيًا، ورافقه ارتفاع كبير في إيجارات المساكن، ما دفع كثيرًا من الأسر إلى اللجوء إلى المخيمات أو إلى المباني غير المكتملة التي تحولت مع مرور الوقت إلى تجمعات سكنية بديلة. ومن بين هذه الأماكن ما يُعرف بمجمع سناح السكني، الذي أصبح اليوم أحد أبرز مواقع سكن النازحين في المنطقة.
مخيم من الهياكل الإسمنتيه
يضم “مخيم سناح السكني” أكثر من 400 أسرة نازحة، ويتكون من 12 مبنى كان مخططًا لها أن تكون جزءًا من مدينة سكنية جرى العمل على إنشائها خلال فترة حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
غير أن اندلاع ثورة الحادي عشر من فبراير عام 2011 أدى إلى توقف العمل في المشروع قبل استكماله، لتبقى تلك المباني هياكل إسمنتية غير مكتملة. ومع اندلاع الحرب واتساع النزوح، وجد مئات النازحين في هذه المباني ملاذًا اضطراريًا، فقاموا بإجراء إصلاحات بسيطة تمكنهم من السكن فيها، مثل سد النوافذ بالبطانيات وصناعة أبواب خشبية بدائية، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من الخصوصية والحماية.
لكن هذه المعالجات المحدودة لم تمنع ظهور مشكلات أخرى أكثر خطورة، إذ تعاني المباني من غياب كامل لشبكات الصرف الصحي، الأمر الذي أدى إلى تشكل فجوات وأحواض كبيرة حول المباني امتلأت بمياه الصرف، لتصبح مصدرًا دائمًا للروائح الكريهة والتلوث البيئي. ومع مرور الوقت تحولت هذه البرك إلى خطر حقيقي يهدد السكان، خصوصًا الأطفال الذين يعيشون في محيط مفتوح يفتقر إلى أبسط إجراءات السلامة.
وتزداد معاناة السكان مع حلول شهر رمضان، حيث ترتفع احتياجات الأسر الغذائية ويصبح توفير وجبات الإفطار والسحور تحديًا يوميًا للكثير من العائلات التي فقدت مصادر دخلها أو تعتمد على أعمال متقطعة. المواطن النازح عبد القوي، وهو من أبناء منطقة الفاخر الواقعة في مناطق الصراع، يصف الوضع قائلاً لـ”الوعل”:
“المنظمات توقفت عن دعم المخيم منذ نحو ثلاثة أعوام، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الحياة أصعب بكثير. لا يوجد دعم غذائي منتظم ولا مياه، ومعظم الأسر تعتمد على أعمال يومية غير مستقرة. وخلال رمضان يزداد الضغط أكثر، لأن احتياجات الأسر تزداد ولا يستطيع كثير من الآباء تلبيتها.”
ويضيف عبد القوي أن انتشار مياه الصرف حول المباني يمثل مصدر قلق دائم للسكان، إذ إن الأطفال يلعبون في محيط تلك الفجوات بشكل يومي، ما يعرضهم لخطر السقوط أو الإصابة بالأمراض. كما أن المباني غير المكتملة تفتقر إلى وسائل الحماية الأساسية مثل النوافذ أو الحواجز، وهو ما يجعل التنقل داخلها محفوفًا بالمخاطر، خاصة بالنسبة للأطفال.
نساء تحت المعاناة
من جانب آخر، تتحمل النساء جزءًا كبيرًا من الأعباء اليومية داخل المخيم، إذ يضطر العديد منهن إلى قطع مسافات طويلة لجلب المياه من آبار أو مصادر بعيدة، بعد توقف الجهات الإنسانية عن توفير المياه بشكل منتظم. وتقول النازحة هدى فاضل إن المياه المتوفرة غالبًا ما تكون غير صالحة للشرب بشكل كامل، لكنها تضطر لاستخدامها بسبب عدم وجود بدائل، رغم إنها تخلف أثار مرضية للأطفال من تكلسات الأسنان وكساح العظام.
وتوضح هدى أن الأطفال يعانون بشكل متكرر من الأمراض نتيجة تلوث البيئة المحيطة بالمباني، إضافة إلى المخاطر الناتجة عن غياب وسائل الحماية في المباني المرتفعة. وتروي حادثة تعرض لها أحد أبنائها عندما سقط من الطابق الخامس للمبنى الذي تقيم فيه الأسرة، ما أدى إلى إصابته بكسور خطيرة في الحوض، مؤكدة أن الحادثة كادت أن تنتهي حياة ابنها لولا وصوله إلى مكان رطب خفف من شدة السقوط.
أعباء اقتصادية متزايدة
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الجانب الصحي أو البيئي، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعي أيضًا. ففي ظل غياب فرص العمل المستقرة، يضطر كثير من الآباء إلى البحث عن أعمال مؤقتة أو شاقة لتأمين احتياجات أسرهم، بينما يشارك الأطفال في أعمال شاقة أخرى لمساعدة عائلاتهم مثل العمل وسط القات والأسواق، وهو ما يؤدي في كثير من الحالات إلى ابتعادهم عن التعليم أو انقطاعهم المؤقت عن الدراسة.
ويشير عبدالرزاق ناجي، وهو مندوب أحد المباني السكنية في المخيم، إلى أن تراجع الدعم الإنساني ترك أثرًا كبيرًا على حياة النازحين، موضحًا أن كثيرًا من الأسر أصبحت تعتمد على جهودها الذاتية أو على مساعدة الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية. ويقول إن شهر رمضان يزيد من حجم الضغوط الاقتصادية على العائلات، حيث ترتفع تكاليف الغذاء وتزداد احتياجات الأطفال، في وقت تظل فيه مصادر الدخل محدودة للغاية.
قلق اقتراب العيد
ومع اقتراب عيد الفطر، تبدو التحديات أكثر وضوحًا بالنسبة للأسر النازحة التي تجد نفسها عاجزة عن توفير مستلزمات العيد لأطفالها، سواء من الملابس أو الاحتياجات الأساسية الأخرى. ففي الوقت الذي تستعد فيه كثير من العائلات للاحتفال بالمناسبة، يعيش النازحون حالة مختلفة، يطغى عليها القلق بشأن تأمين الغذاء والمياه والحفاظ على صحة أطفالهم في بيئة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
وتكشف أوضاع مخيمات النازحين في الضالع، ومنها مخيم سناح السكني، عن أزمة إنسانية مركبة تتداخل فيها مشكلات الفقر والتلوث البيئي ونقص الخدمات الأساسية مع آثار النزوح الطويلة.
ففي ظل غياب شبكات الصرف الصحي، وتراجع الدعم الإنساني، وارتفاع تكاليف المعيشة مع بقى إرتفاع صرف الريال اليمني، يجد آلاف النازحين أنفسهم أمام واقع يومي صعب يتطلب تدخلًا عاجلًا من الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية من أجل تحسين ظروفهم المعيشية والحد من المخاطر الصحية التي تهدد حياتهم، خاصة في هذه الفترة التي تتزامن مع شهر رمضان واقتراب عيد الفطر، حين تتضاعف الاحتياجات وتزداد الضغوط على الأسر الأكثر ضعفًا.

تداعيات الحرب في إيران تضع الحوثيين أمام تحديات عسكرية وسياسية في اليمن
“صهاينة خلف الصليب”.. كيف سقطت السياسة الأمريكية في أحبال إسرائيل؟
إب بين الجبايات والأوبئة والانفلات الأمني.. أزمات متفاقمة تثقل كاهل السكان
“فرحة العيد من أكوام البالة”.. أسواق الملابس المستعملة ملاذ اليمنيين في ظل الغلاء