
كثرت التحليلات والتكهنات في الأيام الأخيرة حول الهدف التالي لإسرائيل، وتقول معظمها إن الدور سيأتي على تركيا ومصر بعد إيران. وتؤجج هذه التكهنات تصريحات يدلي بها مسؤولون إسرائيليون ويعبرون فيها عن قلقهم من تصاعد دور تركيا في المنطقة وتعاظم قوتها بعد سقوط النظام السوري. وفي آخر تلك التصريحات، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، إن تركيا باتت تمثل “إيران الجديدة”، كما وصف رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان بأنه “خصم ماكر وخطير”.
هذه التحليلات والتكهنات تعبر بعضها عن رغبة أصحابها في دفع تركيا والأتراك إلى التعاطف مع إيران والدفاع عنها. وبعبارة أخرى، يقول هؤلاء للأتراك: “إن كنتم لا تريدون ضرب تركيا وسقوطها من قبل إسرائيل فعليكم الوقوف إلى جانب طهران في هذه الحرب كيلا يسقط النظام الإيراني”. وأما بعضها الأخرى فتهدف إلى دفع الأتراك إلى الاعتقاد بأنه يجب أن تقوم أنقرة بترميم علاقاتها مع إسرائيل أو أن يُسقط الشعب التركي حكومة أردوغان لتجنيب تركيا ويلات التعرض لهجمات الجيش الإسرائيلي.
أطماع الكيان الصهيوني التوسعية ورغبته في إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحه، لا تخفى على أحد، لأن المسؤولين الإسرائيليين يصرحون بها، كما أن مخاوفه من الدور التركي المتصاعد حقيقية
أطماع الكيان الصهيوني التوسعية ورغبته في إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحه، لا تخفى على أحد، لأن المسؤولين الإسرائيليين يصرحون بها، كما أن مخاوفه من الدور التركي المتصاعد حقيقية. ومن المؤكد أن إسرائيل منزعجة للغاية من موقف أنقرة من حركة حماس والقضية الفلسطينية، وأنها ترى توسع نفوذ تركيا بقيادة أردوغان خطرا عليه، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: “هل تستطيع إسرائيل أن تهاجم تركيا كما هاجمت إيران؟”.
احتمال تعرض تركيا لعدوان إسرائيلي على غرار ما تعرضت له إيران، يكاد ينعدم في الظروف الراهنة؛ لأن تركيا أقوى من إيران عسكريا، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو” وثاني أكبر قوة عسكرية فيه. كما أن الجيش التركي يمكن أن يصل إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة بطائراته وسفنه الحربية وليس فقط بصواريخه وطائراته المسيرة. وإضافة إلى ذلك، تملك تركيا أنظمتها الوطنية للدفاع الجوي، وصواريخ أس-400 التي اشترتها من روسيا. ولذلك، هناك إسرائيليون ينصحون حكومتهم بتخفيف التوتر مع تركيا، بدلا من تصعيده.
إيران بنت أدبياتها السياسية منذ ثورة الخميني على شعار “معاداة إسرائيل ومسحها من الخريطة”، وأما تركيا بقيادة أردوغان فأقصى ما تطالب به هو “حل الدولتين”، وهو ما تطالب به معظم دول العالم. وإضافة إلى ذلك، ما زالت العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب قائمة، على الرغم من تراجع مستواها. كما أن العلاقات التركية الأمريكية في تحسن، وأن حلفاء تركيا في المنطقة هم في ذات الوقت حلفاء الولايات المتحدة. ولذلك، ليس من السهل إقناع إسرائيل الولايات المتحدة والدول الغربية بضرورة استهداف تركيا بدعوى أنها تشكل تهديدا لأمن العالم واستقراره.
تركيا تقع في موقع استراتيجي بين الشرق والغرب، وتدرك الدول الأوروبية مدى أهميتها لأمن أوروبا واستقرارها. وازدادت حاجة أوروبا إلى تركيا لحماية أمنها مع الحرب الروسية الأوكرانية، والسياسة الجديدة التي تتبناها إدارة ترامب تجاه القارة العجوز. كما أن أوروبا بحاجة ماسة إلى تركيا آمنة ومستقرة لتحول دون موجات النزوح والهجرة غير الشرعية نحو الدول الأوروبية، ومن المؤكد أن الأوروبيين يدركون تماما أن العدوان على تركيا الآن هو بمثابة استهداف أمن أوروبا واستقرارها.
تعرف أنقرة مدى ذاك الانزعاج، وتأخذ تصريحات المسؤولين الإسرائيليين على محمل الجد، ولكنها في ذات الوقت واثقة من أن تركيا قادرة على الدفاع عن نفسها، كما أنها تعمل لسد ثغراتها، مستفيدة من دروس إيران
أنقرة لا تتبنى سياسة تصدير الثورة أو الديمقراطية، ولا تزرع في الدول الأخرى مليشيات مسلحة تابعة لها، بل تتعامل مع الدول والأنظمة القائمة فيها. وعلى الرغم من وقوفها مبدئيا إلى جانب الشعوب العربية الثائرة إثر تفجر ثورات الربيع العربي، قامت فيما بعد بترميم علاقاتها مع العواصم التي كانت علاقاتها معها تدهورت بسبب ذاك الموقف المشرف. وهناك تعاون بين تركيا وتلك الدول يتطور يوما بعد يوم، في ظل التحديات التي تواجهها كافة دول المنطقة. وبالتالي، لن تجد إسرائيل من يقف معها، في حال أرادت العدوان على تركيا.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يتحدث عن العمل لتشكيل تحالف سداسي حول الشرق الأوسط يضم الهند واليونان وقبرص إلى جانب دول عربية وأفريقية وآسيوية، لمواجهة المحور الشيعي والمحور السني. ومن المؤكد أن هذا العمل يعكس مخاوف إسرائيل من الدور التركي المتصاعد، وولادة سوريا الجديدة، والتحسن الذي تشهده العلاقات التركية السعودية من جهة والعلاقات التركية المصرية من جهة أخرى.
إسرائيل منزعجة من تعاظم قوة تركيا وتوسع نفوذها، ولذلك ستسعى لإضعافها بكل وسيلة ممكنة، وتعرف أنقرة مدى ذاك الانزعاج، وتأخذ تصريحات المسؤولين الإسرائيليين على محمل الجد، ولكنها في ذات الوقت واثقة من أن تركيا قادرة على الدفاع عن نفسها، كما أنها تعمل لسد ثغراتها، مستفيدة من دروس إيران، كيلا تتسلل إسرائيل من خلالها لضرب قوتها.







