غزة _ الوعل اليمني
في مشهد يتكرر بوتيرة متسارعة داخل قطاع غزة، يتخذ التصعيد الإسرائيلي منحىً أكثر تعقيدًا مع تكثيف استهداف عناصر الأجهزة الأمنية والشرطة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الضربات وأهدافها، وما إذا كانت تتجاوز البعد العسكري المباشر لتندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي في القطاع.
خلال الأسابيع الأخيرة، لم تعد حوادث استهداف الشرطة والأجهزة الأمنية أحداثًا معزولة، بل باتت نمطًا متكررًا شمل قصف مركبات شرطية ونقاط انتشار ومراكز أمنية في مناطق مختلفة، من مخيم النصيرات وسط القطاع إلى غزة وخانيونس. وقد أسفرت هذه الهجمات عن سقوط عشرات الشهداء من عناصر الشرطة، في سياق تصعيدي يتزامن مع استمرار خروقات وقف إطلاق النار المعلن منذ أكتوبر 2025.
وبينما تبرر إسرائيل هذه الاستهدافات بادعاءات تتعلق بارتباط بعض العناصر الأمنية بالفصائل المسلحة، يرى محللون أن هذا التفسير لا يعكس كامل الصورة، خاصة بالنظر إلى الطبيعة المدنية لوظائف الشرطة ودورها في تنظيم الحياة اليومية.
في هذا السياق، يشير باحثون في الشأنين السياسي والأمني إلى أن استهداف الأجهزة الأمنية لا يمكن فصله عن هدف أعمق يتمثل في إضعاف منظومة الضبط الداخلي في غزة. فهذه الأجهزة، رغم ما تعرضت له من استنزاف خلال الحرب، ما تزال تمثل إحدى الركائز الأساسية في حفظ النظام العام ومنع الانفلات الأمني.
وعليه، فإن ضرب هذه المنظومة يفتح المجال أمام سيناريوهات أكثر خطورة، أبرزها تصاعد الفوضى الداخلية، واتساع نشاط المجموعات الخارجة عن القانون أو المرتبطة بجهات خارجية، وهو ما قد يؤدي إلى تقويض السلم الأهلي.
من ناحية أخرى، يربط مراقبون بين هذا التصعيد وبين محاولات منع إعادة تشكّل أي بنية إدارية مستقرة في القطاع. فاستهداف الأجهزة الأمنية يُفهم في إطار السعي إلى تفريغ الساحة من القوى المحلية القادرة على إدارة الشأن الداخلي، بما يمهّد لفرض ترتيبات جديدة قد لا تنسجم مع الواقع المجتمعي في غزة.
كما يتقاطع هذا التوجه مع مساعٍ لتعطيل أي ترتيبات سياسية أو إدارية تتعلق بإدارة القطاع، في ظل تعثر تنفيذ مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار العراقيل أمام تشكيل أطر إدارية بديلة أو انتقالية.
وفي السياق ذاته، يلفت محللون إلى أن هذا النمط من الاستهداف يتزامن مع تحركات داخلية للأجهزة الأمنية، من بينها ملاحقة مجموعات متعاونة مع الاحتلال، وهو ما قد يفسر تصاعد وتيرة الضربات في هذا التوقيت تحديدًا، بهدف إضعاف هذه الجهود ومنع تحولها إلى حالة عامة تعزز التماسك الداخلي.
إلى جانب ذلك، تحمل هذه الاستهدافات رسائل سياسية واضحة، مفادها أن التهدئة لا تعني بالضرورة وقف العمليات، وأن الواقع الميداني يبقى خاضعًا لحسابات القوة. كما تُستخدم هذه الضربات كأداة ضغط لإرباك الإدارة القائمة في القطاع، ودفعها نحو مزيد من الهشاشة.
أما على المستوى الإنساني والمجتمعي، فإن تداعيات هذا التصعيد تبدو أكثر عمقًا، إذ لا يقتصر أثره على الجانب الأمني، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان. فغياب الشرطة أو تراجع حضورها ينعكس مباشرة على الأسواق ومراكز الإيواء وحركة المواطنين، ويُضعف الشعور بالأمان في بيئة تعاني أصلًا من أزمات إنسانية مركبة.
وتشير تقديرات رسمية إلى استشهاد آلاف من عناصر الأجهزة الأمنية والشرطة منذ بداية الحرب، في مؤشر على حجم الاستنزاف الذي تتعرض له هذه المنظومة، وما قد يترتب عليه من تراجع في قدرتها على أداء مهامها الأساسية.
وفي ظل غياب آليات دولية فاعلة لوقف الخروقات أو محاسبة المسؤولين عنها، يبدو أن هذا النهج مرشح للاستمرار، ما يفتح الباب أمام مزيد من التعقيد في المشهد الداخلي.
في المحصلة، لا يبدو استهداف الأجهزة الأمنية في غزة مجرد تطور ميداني عابر، بل يعكس ملامح استراتيجية تسعى إلى إعادة هندسة الواقع الأمني عبر إضعاف أدوات الضبط الداخلي. وبينما تتصاعد هذه الضربات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يقود هذا المسار إلى فرض واقع جديد، أم إلى انفجار داخلي يزيد من تعقيد المشهد الفلسطيني؟

ألبانيزي أمام مجلس حقوق الإنسان: إسرائيل تتبنى التعذيب كـ “سياسة دولة” وتمنح قادتها رخصة للتنكيل
مقتل 66 جندياً وإصابة العشرات في تحطم طائرة نقل عسكرية كولومبية جنوبي البلاد
آثار “مزلزلة” للقصف الإيراني: جرحى ودمار هائل يطال المراكز الحيوية في حيفا وتل أبيب
7 شهداء و11 جريحاً في سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت جنوب ووسط لبنان