كشفت تقارير متطابقة لوكالة «بلومبيرغ نيوز» أن الولايات المتحدة طلبت رسميًا من إيطاليا الانضمام إلى «قوة الاستقرار الدولية» المقترحة لإدارة المرحلة التالية للحرب في قطاع غزة، في خطوة تعكس تسارع الجهود الأميركية لبلورة ترتيبات سياسية وأمنية لما يُعرف بمرحلة «ما بعد الحرب».
وبحسب مصادر مطلعة، قدّم دبلوماسيون أميركيون العرض إلى مكتب رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ووزارة الخارجية في روما خلال الأسبوع الجاري، مع التأكيد أن قرار الانضمام لا يزال قيد الدراسة ولم يُحسم بعد. ويأتي اختيار إيطاليا بصفتها «عضوًا مؤسسًا» في هذه القوة، ضمن مسعى واشنطن لإشراك دول أوروبية وازنة تمنح المبادرة ثقلًا سياسيًا ودوليًا، في ظل التعقيدات الأمنية والقانونية المحيطة بقطاع غزة.
مهام محدودة متعددة
ووفق التصور الأميركي، فإن «قوة الاستقرار الدولية» ستكون قوة أمنية متعددة الجنسيات ذات مهام محددة، تشمل تثبيت وقف إطلاق النار، ودعم الاستقرار الأمني، وتأمين الممرات الإنسانية، والمساهمة في تهيئة الظروف لإعادة الإعمار، دون الانخراط في عمليات قتالية مباشرة.
وتشير المصادر إلى أن المقترح لا يتضمن مساهمة إيطاليا بقوات عسكرية على الأرض، بل يقتصر دورها على تعهد سابق بتدريب الشرطة الفلسطينية المستقبلية في غزة، إضافة إلى استثمار نفوذها السياسي وعلاقاتها مع الأطراف العربية و«إسرائيل» والفلسطينيين، بما يوفّر غطاءً دوليًا أوسع للمبادرة.
وامتنعت رئاسة الوزراء الإيطالية عن التعليق على هذه التقارير، فيما لم ترد وزارة الخارجية على طلبات التعقيب. كما رفض البيت الأبيض تأكيد توجيه دعوة رسمية لروما، مكتفيًا بالقول إن «إعلانات بشأن قوة الاستقرار الدولية ستصدر قريبًا».
خطة ما بعد الحرب
وتندرج هذه التحركات ضمن خطة أميركية أوسع، كشف عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سبتمبر 2025، تتضمن «خارطة طريق» من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وإنشاء ترتيبات دولية تشرف على الأمن وإعادة الإعمار، عبر مجلس سلام انتقالي وقوة استقرار متعددة الجنسيات.
غير أن الخطة واجهت عراقيل كبيرة، أبرزها الخلافات بين «إسرائيل» وحركة حماس حول تسلسل التنفيذ، إلى جانب صعوبات أميركية في إقناع دول حليفة بإرسال قوات أو الانخراط العلني في القوة المقترحة. كما قاطعت غالبية دول مجموعة السبع مراسم توقيع ميثاق «مجلس السلام»، وسط جدل سياسي ودستوري في عدة عواصم أوروبية.
وفي هذا السياق، أبدت مصادر إيطالية تحفظات تتعلق بالإطار القانوني والتفويض الدولي، مشيرة إلى أن أي مشاركة يجب ألا تتعارض مع الدستور الإيطالي، وهو ما كانت ميلوني قد استندت إليه سابقًا لتبرير عدم توقيعها على ميثاق مجلس السلام، رغم تأكيدها الانفتاح على تعديلات محتملة.
واقع ميداني متفجر
وتأتي هذه المساعي السياسية في وقت يواصل فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي شن غارات جوية ومدفعية على قطاع غزة، متهمًا بخرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل مرحلته الثانية مؤخرًا. ووفق تقارير محلية، أسفرت هذه الخروقات عن مقتل مئات الفلسطينيين منذ بدء سريان الهدنة.
من جهته، أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة عن «صدمته البالغة» من استمرار سقوط المدنيين، داعيًا المجتمع الدولي إلى تكثيف الضغط لوقف إراقة الدماء، واعتماد مقاربة قائمة على حقوق الإنسان في التعافي وإعادة الإعمار.
دلالات سياسية أوسع
ويعكس التوجه الأميركي نحو إيطاليا إدراكًا متزايدًا بصعوبة إدارة غزة منفردة أو عبر ترتيبات أمنية ضيقة، في ظل التحذيرات الدولية من أن أي فراغ أمني أو إداري قد يعيد القطاع إلى دوامة عنف جديدة. كما يسلّط الضوء على محاولة واشنطن إعادة تدوير نفوذها الدولي عبر أطر «متعددة الجنسيات»، تمنح تدخلها غطاءً سياسيًا وقانونيًا أوسع، وسط تشكيك متزايد في جدوى هذه المقاربات وقدرتها على تحقيق استقرار حقيقي ودائم في قطاع أنهكته الحرب.
المصدر: وكالات







