جثة واحدة على مفترق السياسة والمعابر
غزة- الوعل اليمني.
استأنفت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، امس الأربعاء، عمليات البحث عن جثة آخر أسير إسرائيلي محتجز في قطاع غزة، في خطوة بالغة الحساسية سياسيًا وأمنيًا، تُجرى بتنسيق مباشر مع إسرائيل وتحت إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وسط ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة لربط هذه العملية بمصير معبر رفح والانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
تنسيق ميداني في منطقة منقسمة
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام عبرية، بينها صحيفة «جيروسالم بوست» وهيئة البث الإسرائيلية (كان)، فإن عمليات البحث تجري في حي الزيتون شرق مدينة غزة، وهي منطقة تتقاسم إسرائيل وحماس السيطرة عليها، وتقع أجزاء منها قرب ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” الذي يقسم القطاع.
وتشارك في عمليات البحث عناصر من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إلى جانب فرق الصليب الأحمر وآليات مصرية، وبإشراف منسق شؤون الأسرى والمفقودين في الحكومة الإسرائيلية. وتركّز الفرق العاملة على الجوانب الفنية واللوجستية، في محاولة لتجاوز الدمار الواسع الذي خلّفته العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.
هوية الأسير
وتعود الجثة التي يجري البحث عنها إلى ران غويلي، وهو جندي في شرطة حرس الحدود الإسرائيلية، كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن مقتله خلال أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 واحتجاز جثته في قطاع غزة. وبذلك، يكون غويلي آخر أسير إسرائيلي لم تُسترد جثته بعد، ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر الماضي.
وكانت الفصائل الفلسطينية قد سلّمت، خلال مراحل الاتفاق، 20 أسيرًا إسرائيليًا أحياء، إضافة إلى 27 جثمانًا من أصل 28، فيما كانت آخر جثة سُلّمت في ديسمبر الماضي وتعود لعامل أجنبي.
رفح رهينة الجثة
سياسيًا، بات ملف جثة غويلي مرتبطًا مباشرة بفتح معبر رفح. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، أن المعبر الحدودي مع مصر لن يُفتح قبل إعادة جثة الأسير الأخير. وأكد، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، أن هذا الموقف جرى التوافق عليه مع الولايات المتحدة.
وأضافت مصادر سياسية لصحيفة «معاريف» الإسرائيلية أن تفاهمات أُنجزت مع الإدارة الأمريكية تقضي بالإبقاء على معبر رفح مغلقًا إلى حين تسليم الجثة، وهو ما نُقل أيضًا إلى الهيئات الدولية خلال الأيام الماضية، عقب عودة نتنياهو من زيارته إلى واشنطن.
ضغط دولي وغضب مصري
في المقابل، تتابع الأطراف الدولية تطورات البحث عن كثب، باعتبار أن استعادة الجثة قد تشكّل مفتاحًا لانفراجة أوسع، تشمل فتح معبر رفح والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام.
وبحسب تقارير إسرائيلية، أبدت مصر استياءً متزايدًا من استمرار إغلاق المعبر، ووجّهت القاهرة رسائل غاضبة إلى إسرائيل والمنظمات الدولية، وضغطت على واشنطن من أجل فتح رفح في أقرب وقت ممكن، وفي كلا الاتجاهين، نظرًا لتداعيات الإغلاق الإنسانية والسياسية.
من جهته، قال مصدر في حركة حماس، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن عملية البحث تواجه تحديات كبيرة بسبب حجم الدمار الهائل ونقص المعدات والآليات اللازمة. وأوضح أن العمل يتم في ظروف معقدة، خاصة في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية إسرائيلية مكثفة سابقًا.
خلفية الاتفاق والمرحلة المقبلة
ويسري اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل منذ العاشر من أكتوبر الماضي، وشملت مرحلته الأولى تبادل الأسرى والمحتجزين، ودخول مساعدات إنسانية إلى القطاع، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض المناطق.
أما المرحلة الثانية، ووفق الخطة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فمن المفترض أن تتضمن انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من قطاع غزة، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس، وبدء عمليات إعادة الإعمار، وإنشاء هيئة حكم انتقالية أو حكومة تكنوقراط، إلى جانب نشر قوة استقرار دولية.
وكان ترامب قد أكد، في تصريحات أواخر ديسمبر الماضي، أن نزع سلاح حماس يمثل شرطًا أساسيًا للانتقال إلى المرحلة الثانية، بالتوازي مع إعادة آخر محتجز إسرائيلي من غزة.
أرقام الحرب
وبحسب وزارة الصحة في غزة، ارتفع عدد الشهداء منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ إلى 422 فلسطينيًا. ومنذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، استشهد 71,388 فلسطينيًا وأُصيب 171,269 آخرون.
في المقابل، تشير الأرقام الإسرائيلية إلى مقتل نحو 1200 شخص خلال هجوم السابع من أكتوبر، وأسر 251 إسرائيليًا. ومنذ بدء وقف إطلاق النار، أفرجت إسرائيل عن نحو ألفي أسير فلسطيني، وأعادت أكثر من 300 جثمان، مقابل تسلمها معظم الأسرى وجثامينهم من قطاع غزة.
وبينما تتواصل عمليات البحث في حي الزيتون، تبقى جثة واحدة كفيلة بتحديد مصير معبر، وفتح مرحلة سياسية جديدة، أو إبقاء غزة عالقة عند مفترق الشروط والضغوط.







