أكملت الولايات المتحدة اليوم، الجمعة، إجراءات انسحابها الرسمي من منظمة الصحة العالمية، في خطوة وصفت بأنها تحول جذري في السياسة الخارجية والأمن الصحي العالمي.
يأتي هذا الخروج بعد انقضاء مهلة العام الواحد التي أعقبت القرار التنفيذي الذي وقعه الرئيس الأمريكي في مستهل ولايته الحالية في يناير 2025، لينهي بذلك التزاماً استمر لقرابة 78 عاماً منذ تأسيس المنظمة في عام 1948.
وقد تضمنت الإجراءات العملية المتخذة إزالة العلم الأمريكي من أمام مقر المنظمة في جنيف، وسحب جميع الكوادر الفنية والمقاولين التابعين للحكومة الأمريكية الذين كانوا يعملون ضمن لجان المنظمة ومكاتبها حول العالم، بالإضافة إلى تعليق المشاركة في أكثر من مائة نشاط ولجنة تقنية وتوجيهية.
تستند واشنطن في مبررات هذا القرار إلى ما تصفه بـ “الإخفاقات العميقة” للمنظمة في إدارة جائحة كوفيد-19، واتهامها بالانحياز السياسي والافتقار إلى الشفافية والاستقلالية، خاصة فيما يتعلق بالتحقيقات حول منشأ الفيروس في مدينة ووهان الصينية.
وصرح مسؤولون في وزارة الخارجية ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية أن المنظمة فشلت في تبني إصلاحات حقيقية لمعالجة ضعف الحوكمة، مؤكدين أن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين سيتم توجيهها بدلاً من ذلك إلى شراكات ثنائية مباشرة مع الدول الحليفة والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية.
وتؤكد الإدارة الأمريكية أنها لن تشارك حتى بصفة “مراقب” في اجتماعات المنظمة، مفضلة العمل من خلال مكاتبها الصحية المنتشرة في 63 دولة لضمان الأمن الصحي القومي أولاً.
من الناحية المالية، أحدث هذا الانسحاب فجوة كبرى في ميزانية منظمة الصحة العالمية، حيث كانت الولايات المتحدة الممول الأكبر لها بمساهمات سنوية تقدر بمئات الملايين من الدولارات.
وبينما تؤكد واشنطن وقف كافة التمويلات، تبرز نقطة خلاف قانونية حول “الديون المستحقة”؛ إذ تصر المنظمة والأمم المتحدة على ضرورة سداد الولايات المتحدة لمبالغ متأخرة تقدر بنحو 260 إلى 280 مليون دولار كشرط قانوني لاستكمال الانسحاب وفقاً لمواثيق المنظمة.
ويحذر خبراء ماليون من أن هذا النقص قد يضطر المنظمة إلى تسريح نحو ربع قوتها العاملة وتقليص برامجها الحيوية في الدول ذات الدخل المنخفض، مما يفتح الباب لدول أخرى مثل الصين والسعودية والهند لزيادة نفوذها وتمويلها لملء الفراغ القياسي الذي خلفته واشنطن.
أثار القرار موجة واسعة من القلق والتحذيرات بين الأوساط العلمية والدبلوماسية؛ حيث وصف لورانس جوستن، خبير قانون الصحة العامة في جامعة جورج تاون، الخطوة بأنها “أسوأ قرار رئاسي” نظراً لتأثيرها المباشر على قدرة العلماء الأمريكيين في الوصول إلى قواعد البيانات العالمية للفيروسات الناشئة، مثل سلالات الإنفلونزا الموسمية، وهو ما قد يعيق تطوير اللقاحات في المستقبل.
كما أعرب مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس عن أسفه العميق، مشيراً إلى أن “التعاون الدولي ليس رفاهية بل ضرورة بيولوجية”، ومؤكداً أن غياب الولايات المتحدة يجعل العالم والولايات المتحدة نفسها أقل أماناً في مواجهة الأوبئة المستقبلية، خاصة مع توقف التنسيق في مفاوضات “اتفاقية الجائحة” الدولية التي كانت تهدف لتعزيز الاستعداد العالمي للأزمات الصحية.







