سجون الانتقالي تدار في الظلام وعائلات تنتظر منذ سنوات

خاص
في عدن، المدينة التي كان يُفترض أن تكون عاصمة مؤقتة للأمان واستعادة الدولة، تعيش مئات العائلات على وقع سؤال واحد لا يجد إجابة: أين أبناؤنا؟ منذ سنوات، تتراكم ملفات الاختفاء القسري في سجون تُدار خارج القانون، وتحديداً تلك التابعة لتشكيلات المجلس الانتقالي الجنوبي، وسط صمت رسمي، وخوف اجتماعي، ووجع إنساني لا يهدأ.
في العتمة
تشير تقديرات حقوقية متطابقة إلى أن نحو 300معتقلاختفوا قسرا من سجون ومعتقلات يديرها المجلس الانتقالي في العاصمة المؤقتة عدن خلال الأعوام الماضية، دون إبلاغ أسرهم بمصيرهم أو أماكن احتجازهم. عمليات الإخفاء هذه تصاعدت بشكل لافت عقب توترات وهزائم عسكرية شهدتها تشكيلات مسلحة تابعة للانتقالي، فيما يبدو أنه محاولة لطمس الأدلة وإخفاء الشهود على انتهاكات جسيمة، وفق توصيف حقوقيين
مصادر مطلعة أكدت أن عشرات المعتقلين جرى نقلهم بشكل سري ليلا من سجون معروفة إلى أماكن مجهولة، دون أوامر قضائية، أو إشراف من النيابة العامة، وهو ما يرقى إلى جريمة اختفاء قسري مكتملة الأركان وفق القانون الدولي.
سجون خارج القانون
على مدى السنوات الماضية، وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية وجود سجون سرية وغير قانونيه في عدن، تدار من قبل تشكيلات أمنية وعسكرية تابعة للمجلس الانتقالي، أبرزها قوات الحزام الأمني. هذه السجون لا تخضع لأي رقابة قضائية، ولا يُسمح للمنظمات الإنسانية أو المحامين أو حتى أهالي المعتقلين بزيارتها.
تقارير حقوقية تحدثت عن أنماط ممنهجة من التعذيب الجسدي والنفسي، والحبس الانفرادي، والحرمان من العلاج، إضافة إلى الإهانات والابتزاز، خصوصاً بحق أسر المختفين أثناء محاولاتهم البحث عن ذويهم.
أمهات على الأرصفة
أمام بوابة قصر معاشيق، تقف أمهات منذ سنوات يحملن صور أبنائهن. لا يطلبن المستحيل، فقط خبراً يطمئن قلوبهن. رابطة أمهات المختطفين أكدت في بيانات متكررة 16مدنيا لا يزالون مخفيين قسراً في عدن حتى اليوم، دون أي معلومات عن أوضاعهم الصحية أو القانونية ,تقول أم أحد المخفيين قسراً في حديث لـ “الوعل اليمني”: “لم نعد ننام. كل يوم نخرج نبحث، نهان، نبتز، ولا نعود إلا بخيبة جديدة. ابني ليس رقما، هو إنسان”.
حجم المأساة
تكشف توثيقات حقوقية متطابقة عن كارثة إنسانية متصاعدة في العاصمة المؤقتة عدن، حيث تشير البيانات إلى تسجيل نحو 300 حالة اختفاء قسري خلال السنوات الماضية، في واحدة من أخطر ملفات الانتهاكات التي لا تزال مفتوحة دون مساءلة.
وبحسب رابطة أمهات المختطفين، فإن61 مدنيا ما زالوا حتى اليوم في عداد المفقودين قسراً، دون أي معلومات مؤكدة عن أماكن احتجازهم أو أوضاعهم الصحية والقانونية، رغم مرور سنوات على اختفائهم. كما تؤكد مصادر حقوقية أن عشرات البلاغات والشكاوى قدمت إلى النيابة والجهات القضائية المختصة، إلا أنها قوبلت بالصمت والتجاهل، دون فتح تحقيقات جدية أو اتخاذ إجراءات قانونية فاعلة.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد إحصاءات جامدة، بل تختصر مآسي عائلات تفككت، وأطفال كبروا بلا آباء، ونساء تركن وحيدات في مواجهة الفقد والانتظار، في ظل غياب العدالة واستمرار الإفلات من العقاب.
شهادات من الداخل
ناجون من الاعتقال تحدثوا عن تجربة قاسية داخل تلك السجون. أحدهم قال: “كنا نعصب أعيننا، لا نعرف الليل من النهار. التعذيب كان وسيلة انتزاع اعترافات لا وجود لها ,حقوقيون يرون أن استمرار هذه الانتهاكات يعكس حالة إفلات شبه كامل من العقاب، في ظل غياب الدولة، وتداخل السلطات، وهيمنة التشكيلات المسلحة.
مصدر مسؤول في مكتب رئاسة الجمهورية أكد أن قيادة الدولة تتابع بقلق بالغ البلاغات المتعلقة بالاعتقالات والاختطافات في عدن، واعتبرها انتهاكا صريحا للدستور، واتفاق الرياض، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان ,وأشار المصدر إلى أن تقييد حركة المواطنين واحتجاز مدنيين، بينهم مرضى وطلاب وعائلات، يمثل عقابا جماعيا وتمييزا مناطقيا مرفوضا، داعيا إلى إنهاء هذه الممارسات فوراً.
وجع لا ينتهي
رغم خطورة الانتهاكات، لا يزال التفاعل الدولي محدودا. منظمات دولية اكتفت ببيانات قلق، دون ضغط حقيقي أو تحقيقات مستقلة، ما شجع على استمرار هذه الجرائم، وفق مراقبين ,حقوقيون يمنيون طالبوا الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان بإدراج ملف الاختفاء القسري في عدن ضمن أولويات التحقيق، وإرسال لجان تقصي حقائق مستقلة ,في عدن، لا يقاس الزمن بالسنوات، بل بعدد الوقفات الاحتجاجية، وبكم مرة يطرق باب دون جواب. الاختفاء القسري ليس جريمة ضد فرد واحد، بل ضد عائلة كاملة، وضد المجتمع بأسره ,ما لم يتم كشف مصير المختفين، ومحاسبة المسؤولين، فإن الجرح سيظل مفتوحا، وستبقى عدن مدينة بأسوار غير مرئية، تدار فيها السجون في الظلام، وتنتظر فيها الأمهات خبرا قد لا يأتي






