تقارير

الجبهات كمخازن ربح: كيف استثمر الحوثيون الحرب في تجارة السلاح

خاص


منذ السنوات الأولى لانقلاب جماعة الحوثي، لم تدار الحرب بوصفها معركة عسكرية فقط، بل جرى تحويلها تدريجيا إلى مشروع اقتصادي قائم بذاته. وتحت شعارات الدفاع والمجهود الحربي”، نشأ داخل مناطق سيطرة الجماعة اقتصاد سلاح موازٍ، تحولت فيه الجبهات إلى مصادر تمويل، والأسلحة إلى سلعة، والقتال إلى غطاء لتجارة منظمة تمتد من خطوط التماس إلى الأسواق الخلفية.

الجبهات كمخازن

في مناطق سيطرة الحوثيين، لا ينظر إلى السلاح باعتباره أداة قتال فقط، بل كأصل اقتصادي قابل للتداول. كميات كبيرة من الأسلحة التي تصل إلى الجبهات، سواء عبر التهريب الخارجي أو المصادرة الداخلية، لا تبقى في مواقع القتال. جزء منها يخزن بعيدا عن أعين المقاتلين، وجزء آخر يُعاد تدويره وبيعه لاحقا عبر وسطاء، في سوق سوداء يديرها نافذون مرتبطون بالقيادات الميدانية.

تشير شهادات محلية إلى أن أسلحة يفترض أنها مخصصة للجبهات ظهرت لاحقا في نزاعات قبلية أو بيد جماعات مسلحة داخل مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين. يتم تسويق هذه الأسلحة بأسعار متفاوتة، تمنح احيانا لشخصيات قبلية موالية مقابل الولاء أو الصمت، في عملية تجعل من السلاح أداة ابتزاز سياسي واقتصادي في آن واحد.

مشروع حرب طويل الأمد

لم يقتصر استغلال الحوثيين للحرب على تجارة السلاح الجاهز، بل امتد إلى التصنيع المحلي. خلال سنوات الصراع، طوّرت الجماعة ورشا لتجميع وتعديل الأسلحة، وإنتاج الطائرات المسيرة والألغام والعبوات الناسفة. هذا “التصنيع الحربي” لم يُستخدم فقط في الجبهات، بل أصبح جزءًا من منظومة اقتصادية، تضخ فيها الأموال، ويعاد استثمارها لتعزيز النفوذ والسيطرة، بعيداعن أي اعتبارات إنسانية أو وطنية.

تموَل تجارة السلاح الحوثية عبر شبكة واسعة من الجبايات والإتاوات المفروضة على المواطنين والتجار. تحت مسميات متعددة، تجمع الأموال من الأسواق، والموانئ، والطرقات، وتُوجَّه نسبة معتبرة منها لدعم هذا الاقتصاد الحربي. المواطن الذي يعاني من الفقر وانقطاع الرواتب، يجد نفسه ممولًا قسريا لمنظومة تقتل أبناءه وتطيل أمد الحرب.

الجبهة كمصيدة للفقراء

في هذا السياق، تستغل الجبهات أيضا لتجنيد الشباب من الأسر الفقيرة، الذين يُدفعون إلى القتال برواتب زهيدة أو وعود وهمية. بينما تتحول دماؤهم إلى غطاء أخلاقي لتجارة سلاح لا يستفيدون منها، بل تحصد أرواحهم وتراكم الأرباح لطبقة محدودة من القيادات والتجار المرتبطين بالجماعة.

يرى مراقبون أن أحد الأسباب الجوهرية لاستمرار الحرب هو تحولها إلى مصدر دخل. فكل تهدئة تهدد هذا الاقتصاد، وكل سلام حقيقي يعني انهيار شبكة مالية معقدة بنيت على الفوضى. لذلك، يفهم تشدد الحوثيين في ملفات السلام بوصفه دفاعًا عن مصالح اقتصادية، لا مجرد موقف سياسي أو عسكري.

انعكاسات خطيرة

لم تقتصر آثار هذه التجارة على الجبهات، بل امتدت إلى المجتمع. انتشار السلاح، وتزايد النزاعات المسلحة، وانهيار الأمن، كلها نتائج مباشرة لتحويل الحرب إلى سوق. ومع كل قطعة سلاح تُباع خارج إطار الدولة، يتآكل ما تبقى من النسيج الاجتماعي، ويزداد اليمن ابتعادًا عن الاستقرار. تكشف معطيات هذا التحقيق أن الحوثيين لم يستغلوا الحرب فقط للسيطرة السياسية، بل حولوها إلى تجارة سلاح مربحة، تقوم على الجبهات والتهريب والجبايات والتصنيع المحلي. وفي ظل غياب المساءلة، بات السلاح تجارة، والقتال استثمارا، واليمنيون وقودا لمشروع لا يرى في السلام سوى خسارة

زر الذهاب إلى الأعلى