تقارير
أخر الأخبار

أرقام قياسية أم أجساد صامتة؟ التبرع بالكُلى في إسرائيل بين احتفاء «غينيس» وتساؤلات فلسطينية مفتوحة

غزة_ الوعل اليمني

قال المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة، الدكتور منير البرش، إن احتفاء الاحتلال الإسرائيلي بتسجيل رقم قياسي جديد في موسوعة Guinness World Records في مجال «التبرع بالكُلى»، يفتح بابًا واسعًا وخطيرًا من الأسئلة الأخلاقية والإنسانية التي لا تجيب عنها الأرقام ولا تُسكتها الاحتفالات.

وجاءت تصريحات البرش في أعقاب احتفال رسمي إسرائيلي بإدراج رقم قياسي جديد، عقب مشاركة أكثر من ألف متبرع بالكُلى من أحياء في صورة جماعية التُقطت في القدس، احتفاءً بوصول عدد عمليات التبرع بالكُلى إلى نحو ألفي عملية، وفق منظمة «متنات حاييم» غير الربحية.

احتفال بالأرقام 

وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي، جدعون ساعر، علّق على الحدث معتبرًا أن «2000 متبرع بالكُلى من إسرائيل يحققون أكبر تبرع بالكُلى في التاريخ، في عمل إنساني قائم على التضحية والتكافل»، مشددًا على ما وصفه بـ«روح التضامن» التي أظهرها المتبرعون.

وتطرّق ساعر إلى موقف موسوعة غينيس للأرقام القياسية، قائلًا: «يسعدني أن أرى موسوعة غينيس، التي رفضت سابقًا منح متبرعي الكُلى الإسرائيليين التقدير الذي يستحقونه، تحتفل أخيرًا بهذا الحدث بالشكل الذي يستحقه».

بدوره، قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، خلال كلمته في مراسم الاحتفال، إن رفض غينيس السابق لم يكن بسبب الأرقام، بل لأنه «رقم إسرائيلي»، مضيفًا: «في مواجهة نفاق يضع المقاطعات فوق قيمة الحياة الإنسانية… أنتم الجواب الحاسم»، معتبرًا أن ما جرى يجسّد «التزامًا أخلاقيًا غير قابل للمساومة بقدسية الحياة».

الأرقام لا تجيب عن السؤال الجوهري

في المقابل، شدد الدكتور منير البرش على أن الاحتلال يقدّم نفسه اليوم للعالم كنموذج إنساني متقدّم في التبرع بالأعضاء، بينما يتجاهل السؤال الجوهري: من أين جاء هذا العدد الهائل من الكُلى؟

وقال البرش، عبر منشورات وتصريحات إعلامية، إن الجهة ذاتها التي تحتجز جثامين الشهداء الفلسطينيين لسنوات طويلة، هي نفسها التي تُفاخر اليوم بأرقام «تبرع» غير مسبوقة، متسائلًا: «هل تحوّل الاحتلال، بين ليلة وضحاها، إلى أكثر شعوب العالم سخاءً؟ أم أن هناك أجسادًا صامتة لم تُذكر على منصات الاحتفال؟».

وأكد البرش أن هذه التساؤلات لا تستند إلى رواية عاطفية، بل إلى شهادات طبية موثّقة، وحالات لجثامين شهداء أُعيدت إلى عائلاتها ناقصة الأعضاء، دون تقديم تقارير تشريح، أو أي تفسير طبي أو قانوني أو أخلاقي.

جثامين محتجزة وأعضاء مفقودة

وأشار مدير عام وزارة الصحة في غزة إلى أن الوزارة وثّقت حالات لجثامين فلسطينية احتُجزت لفترات طويلة لدى الاحتلال، ثم سُلّمت لاحقًا إلى عائلاتها بلا كُلى، وبلا أي حق للأهالي في السؤال أو المساءلة، معتبرًا أن ذلك يرقى إلى جريمة تمس كرامة الإنسان وحرمة الجسد بعد الموت.

وفي السياق ذاته، أفادت تقارير فلسطينية رسمية وإعلامية بأن عددًا من الجثامين التي أُعيدت مؤخرًا، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، ظهرت عليها آثار تعذيب وإعدامات ميدانية، مع صعوبة بالغة في تحديد هويات بعضها.

كما تحدثت وزارة الصحة في غزة ومسؤولون حقوقيون عن «أعضاء مفقودة» في بعض الجثامين، بينها قرنيات وأعضاء داخلية، وهي اتهامات نفتها إسرائيل سابقًا، لكنها طُرحت مرارًا خلال السنوات الماضية، لا سيما في قضية «بنك الجلود».

قفزة رقمية تثير الجدل

بحسب تقرير لموقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، تقدّمت إسرائيل بطلب رسمي إلى موسوعة غينيس للأرقام القياسية لتسجيل الرقم الجديد، بعد أن تجاوز عدد عمليات زرع الكُلى من متبرعين أحياء عبر منظمة «متنات حاييم» حاجز 2030 عملية.

ويُذكر أن الرقم القياسي السابق كان مسجّلًا في الولايات المتحدة عام 2018، بصورة جماعية ضمّت 410 متبرعين فقط.

ووفقًا لأرقام المرصد العالمي للتبرع وزراعة الأعضاء، المعتمدة لدى منظمة الصحة العالمية، كانت إسرائيل تحتل المرتبة 28 عالميًا في عمليات التبرع بالأعضاء من أحياء، قبل أن تقفز بشكل لافت إلى المرتبة الأولى عالميًا في عام 2026، وهي قفزة وصفتها جهات فلسطينية بأنها «تستدعي المساءلة قبل الاحتفال».

كيف يُكافأ الصمت بالأرقام؟

قال البرش إن الفلسطينيين «لسنا ضد الطب، ولا ضد التبرع بالأعضاء، ولا ضد إنقاذ أي حياة»، لكنهم يرفضون تحويل القيم الإنسانية إلى واجهة دعائية، أو استغلال الجسد الفلسطيني، حيًا كان أو شهيدًا، لصناعة «إنجاز» يُصفَّق له عالميًا بينما تُدفن الحقيقة.

وأضاف: «حين تُغلق أبواب الشفافية، وتُمنع الرقابة الدولية، ويُحتفل بالأرقام بدل كشف المصادر، يصبح الشك حقًا مشروعًا، وتغدو المساءلة واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا

وختم البرش بالتأكيد على أن المطلوب ليس رقمًا قياسيًا جديدًا، بل تحقيقًا دوليًا مستقلًا يجيب بوضوح عن الأسئلة الأساسية: من أين جاءت هذه الأعضاء؟ من سمح بذلك؟ من صمت؟ ولماذا يُكافأ الصمت بالأرقام والاحتفالات؟

وبين احتفاء دولي بالأرقام القياسية، وتساؤلات فلسطينية حول خلفياتها ومصادرها، يبقى ملف التبرع بالكُلى في إسرائيل مفتوحًا على أسئلة أخلاقية وإنسانية لم تُغلق بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى