الأخبار
أخر الأخبار

غزة.. حين تتحول الحرب إلى اقتلاع وطن من ذاكرته

قبل أن تهوي القذائف، كان المشهد في غزة أقرب إلى لوحة اجتماعية متماسكة؛ أحياء سكنية متلاصقة، ومبانٍ متعددة الطوابق شيّدتها عائلات ممتدة طابقاً فوق آخر عبر سنوات من الكدح والادخار. في تلك البيوت، عاش الإخوة إلى جوار بعضهم، وتقاسمت الأجيال المساحة ذاتها، بينما امتدت روابط المصاهرة والجوار لتصنع نسيجاً اجتماعياً مترابطاً يصعب فصله عن المكان.

غير أن أدوات القصف الحديثة، وفق ما أورده تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي”، لم تكتفِ بإسقاط الجدران، بل خلّفت فراغاً واسعاً في الجغرافيا والديموغرافيا معاً. فالمباني التي كانت تختزن ذاكرة عائلات بأكملها تحولت في لحظات إلى ركام، واختفت معها بيوت مجاورة كانت تشكل امتداداً طبيعياً لحياة يومية مستقرة نسبياً.

وبذلك، لم يعد الدمار مادياً فحسب، بل طال البنية الاجتماعية ذاتها؛ إذ أدى القصف المتكرر إلى تفكيك الروابط الأسرية والقرابية، وخلق واقعاً من النزوح الدائم، بحيث باتت العائلة الواحدة موزعة بين خيام وملاجئ ومناطق متفرقة داخل القطاع.

الأطفال في مرمى النار

في قلب هذا المشهد، كان الأطفال الفئة الأكثر تضرراً. فهم يشكلون غالبية المجتمع في غزة، ما جعلهم في صدارة الضحايا. وقد حذر مسؤولون دوليون مراراً من أن وتيرة القتل اليومية تعادل فقدان “فصل دراسي كامل” من الأطفال، في مؤشر صادم على حجم الخسارة البشرية.

وعلاوة على ذلك، طالت الهجمات مرافق الطفولة والتعليم، من رياض الأطفال والمدارس، بما فيها مدارس “الأونروا”، إلى الملاعب والمستشفيات والعيادات. أما المدارس التي نجت من القصف، فقد تحولت إلى مراكز إيواء مكتظة، ما أفقدها دورها التعليمي وحوّلها إلى فضاءات للنجاة المؤقتة.

وفي السياق ذاته، يورد التقرير شهادات عن أطفال انتُشلوا من تحت الأنقاض بعد ساعات طويلة، بعضهم فقد أسرته بالكامل. كما عانى الأطفال الخدّج من انقطاع الكهرباء والوقود، ما أدى إلى توقف الحاضنات وتعذر نقلهم للعلاج. وهكذا، وجد الطفل الناجي نفسه مثقلاً بفقدان الوالدين والأشقاء، وبواقع يومي قاسٍ للبحث عن الماء والطعام، في ظل غياب الأمان وتبدد الأفق المستقبلي.

ضرب العمق الثقافي

لم يتوقف الدمار عند حدود الإنسان، بل امتد إلى المؤسسات الأكاديمية والثقافية. فقد قُتل معلمون وأطباء ومهندسون وأساتذة جامعيون في منازلهم، فيما تكبدت جامعات القطاع خسائر فادحة في كوادرها وباحثيها، بعضهم حائز على جوائز دولية، ما شكّل ضربة قاسية للبنية العلمية في غزة.

إلى جانب ذلك، وثّقت تقارير تدمير مكتبات عامة وخاصة، والعبث بمحتويات جامعات ومراكز ثقافية تضم مخطوطات وأطروحات أكاديمية. وفي مشاهد مؤلمة، جرى تداول مقاطع تُظهر إحراق كتب لاستخدامها وقوداً بعد نفاد مصادر الطاقة، في دلالة على حجم الانهيار الذي مسّ الحياة الثقافية.

كما طالت الهجمات معالم تاريخية ودينية بارزة، من بينها الجامع العمري الكبير، أحد أقدم رموز المدينة، إضافة إلى كنيسة القديس برفيريوس التي تعرضت لقصف في أكتوبر 2023، ما أسفر عن سقوط مدنيين كانوا قد لجأوا إليها. وبذلك، لم يكن الاستهداف عمرانياً فقط، بل مسّ الذاكرة الجمعية والرموز الحضارية.

آثار تتجاوز زمن الحرب

على الصعيد البيئي، يشير التقرير إلى تدمير مساحات زراعية واسعة كانت تمثل سلة غذاء للقطاع، بما في ذلك محاصيل الخضراوات والفواكه والحمضيات التي اشتهرت بها غزة. وقد أدى ذلك إلى تقويض الأمن الغذائي لملايين السكان، في ظل حصار مشدد ونقص حاد في الإمدادات.

وفي موازاة ذلك، تسبب انقطاع الكهرباء والوقود في لجوء السكان إلى حرق مواد بدائية وبلاستيكية للطهي والتدفئة، ما أدى إلى انبعاثات سامة أضرت بالصحة العامة. كما تعطلت شبكات الصرف الصحي وتراكمت النفايات الصلبة، وتحولت بعض المناطق إلى مكبات ضخمة، وسط مخاوف متزايدة من تلوث التربة والمياه الجوفية والبحر.

ومع انهيار منظومة الرقابة الصحية والغذائية، يحذر التقرير من تداعيات طويلة الأمد قد تمتد آثارها لسنوات، سواء على مستوى الأمراض أو على صعيد التنوع البيولوجي والبيئة البحرية، ما يفاقم كلفة الحرب خارج إطارها العسكري المباشر.

 مسار دمار متعدد الأوجه

إلى ذلك، يتناول التقرير ما وصفه بتجريف مقابر واستخراج رفات، في مشاهد أثارت جدلاً واسعاً، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل امتداداً لمسار دمار متعدد الأوجه لا يقتصر على الأحياء فقط. كما وثّق حالات نزوح جماعي متكرر، دفعت مئات آلاف الأسر إلى التنقل القسري بحثاً عن ملاذ آمن.

ومن ثمّ، تبدو صورة المشهد في غزة، وفق التقرير، أبعد من كونها عمليات عسكرية محدودة؛ إذ تتداخل فيها الخسائر البشرية مع تفكيك البنى الاجتماعية، وضرب المؤسسات التعليمية، وتآكل البيئة، وتراجع مقومات الحياة اليومية.

وفي المحصلة، يخلص التقرير إلى أن ما جرى في القطاع يمثل تدميراً شاملاً مسّ مختلف جوانب الحياة الإنسانية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وأعاد تشكيل المجتمع تحت ضغط الحرب والنزوح والمجاعة، تاركاً آثاراً عميقة ستظل حاضرة في الذاكرة الجماعية لسنوات طويلة قادمة.

المصدر: وكالات.

زر الذهاب إلى الأعلى