مقالات

رشاد العليمي.. لغز “الهدوء” الذي فكك شيفرات التمرد واستعاد بوصلة الجمهورية

بقلم :د. علي العسلي

​في عالم السياسة، هناك نوعان من الضجيج: ضجيج “الاستعراض” الذي يملأ الشاشات بوعود فارغة، وضجيج “النتائج” الذي يغير الواقع بصمت وثبات بما يتقرر في محاضر الاجتماعات الرسمية. وما يتعرض له رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، من حملات تشكيك مؤخراً، ليس إلا دليلاً دامغاً على أن “مبضع الجراح” الذي يمتلكه قد وصل أخيراً إلى مكامن الألم الحقيقية في جسد الدولة.

​لقد بدأ الرئيس فعلياً في استئصال أورام التمرد والمشاريع العابرة للحدود التي نهشت كيان الجمهورية لسنوات، وأعاقت تحركه نحو الهدف الأسمى وهو استعادة العاصمة صنعاء. والمتأمل في ميزان القوة الراهن يدرك أن العليمي انتقل بذكاء من مرحلة “الاحتواء” إلى مرحلة “الحسم السيادي”؛ فبما يمتلكه من تفويض دستوري، لم يتردد في إحالة رؤوس التمرد للنيابة، وإنهاء نفوذ الوزراء المعرقلين، وتشكيل حكومة وطنية يُفترض ألا يدين وزراؤها بالولاء إلا للعلم الجمهوري وحده.

​هذا التحول لم يكن صدفة، بل تتويجاً لمسار من الصبر الاستراتيجي منذ 2022؛ حيث تحمل الرئيس تجاوزات بعض أعضاء المجلس لعلّهم يغلبون المصلحة الوطنية، ولكن حين انتقل المخالفون للتحرك العسكري، كان لزاماً عليه حماية الدستور. فجاء تدخله الشجاع لاستعادة السيادة التي بدأت بتأمين حضرموت والمهرة، وصولاً إلى عدن التي لم تعد تُدار لخدمة تشكيلات مناطقية، بل باتت تشهد اجتماعات سيادية تخدم اليمن قاطبة، وتجلى ذلك في عودة الحكومة، وبخاصة وزير الدفاع إلى عدن لإدارة العمليات من العاصمة هناك وبصلاحيات كاملة.

​وفي ظني، فإن فخامة الرئيس لم يغب عن عدن مؤخراً لعدم استتباب الأمن أو خوفاً من أصوات نشاز، وإنما لأنه عاكف على تنسيق عالي المستوى مع التحالف والدول الصديقة لتوفير الدعم الضروري للجيش الوطني لإنهاء الانقلاب الحوثي، خاصة مع المتغيرات الزلزالية التي تشهدها المنطقة. فاليمن لن يقبل اليوم بالسماح للأذرع بالبقاء بعد أن تم استهداف “المشغل” وتآكلت هوامش مناورته، وهي اللحظة التاريخية التي يقتنصها العليمي لترتيب المشهد الختامي لاستعادة الدولة.

​وفي ملف هيكلة الجيش، استطاع العليمي كسر “تابوهات” النفوذ. وما يُثار من إشاعات حول “امتعاض” البعض من تغيير قيادات وطنية بدلاً من المحسوبين على الأشخاص، قد يكون غير صحيح إطلاقاً؛ لأن كل ما يتم هو نتاج اجتماعات رسمية ومحاضر متفق عليها سلفاً. وإن كان هناك من يعترض، فهو في الحقيقة شهادة نجاح للرئيس في تفكيك “مراكز القوى” لصالح “مؤسسة الدولة”.

إن إصرار القائد الأعلى على توحيد القرار العسكري هو استراتيجية لتجهيز ساعة الصفر؛ فتهور الحوثيين في حروب المسيرات والقرصنة هو “فخ” سيسقطون فيه في أية لحظة، وسيكون الرد المفاجئ هو تحرك القوى الموحدة لاستعادة صنعاء وتأمين البحار اليمنية.

​وعلى الصعيد الاقتصادي، نجح الرئيس في إعادة مفهوم “الدولة الضامنة”؛ فلأول مرة منذ 2019، تُقر موازنة عامة لما تبقى من عام 2026، مع انتظام الرواتب رغم التخريب الحوثي. هذا الاستقرار يعكس شراكة ندية مع المملكة العربية السعودية التي استجابت لرؤية العليمي “العملياتية” كخيار وحيد لضمان الأمن القومي واستقرار المنطقة.

​واللافت هنا، أن هذه الحملات المسعورة ضد الرئيس تتزامن بوضوح مريب مع استعدادات حوثية للانقضاض على مناطق الشرعية وضرب الجوار، بل وصل الصلف بقياداتهم إلى التهديد باستهداف محطات التحلية والبنوك السعودية والمطالبة بـ “تعويض إيران” عما تعرضت له!

إن هذا الخطاب الحوثي الموتور يكشف مدى التخادم بين الأصوات المرتفعة في مناطق الشرعية وبين الأجندة الحوثية، في محاولة بائسة لعرقلة قرار “ساعة الحسم” وزعزعة الصف الجمهوري قبل تنفيذ المخططات الإجرامية التي تستعد لها الجماعة .

​ختاماً، إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على حكمة القيادة وتمرسها، بل على الالتفاف الشعبي الواعي حول هذا المسار التصحيحي.

إن معركة استعادة الدولة ليست معركة فخامة الرئيس رشاد العليمي وحده، بل هي معركة كل يمني يؤمن بالجمهورية ويرفض الارتهان للمليشيات.

إن التاريخ سيسجل للعليمي أنه الرئيس الذي تسلم “شظايا دولة” ويحولها لكيان مؤسسي صلب، لكن هذا الكيان لا يكتمل إلا بوعي المواطن الذي يدرك أن “صراخ الألم” الصادر من القوى المتضررة هو أوضح دليل على أننا أخيراً نمضي في الطريق الصحيح نحو صنعاء.

زر الذهاب إلى الأعلى