بين وهم “المفاجآت” وغياب القرار.. مَن يملك لحظة استعادة صنعاء؟

بقلم :د. علي العسلي
في السياسة، أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يفاجئك خصمك… بل أن تقنع نفسك بأن لحظتك ستأتي بعد أن تبدأ الأحداث ويصنعها غيرك، بينما تكتفي أنت بانتظارها.
ومن هنا، يمكن فهم ما يُروَّج له اليوم من “مفاجآت”. ليست كلّ “المفاجآت” التي يُبشَّر بها الحوثي تصنع تحوّلًا، ولا كلّ تصعيدٍ من قبله يفتح طريقًا تلقائيًا نحو الحسم. فما يُطرح من حديثٍ عن “أيدٍ على الزناد”، وانتصاراتٍ مزعومة، وانتظار “ساعة الصفر”، ليس سوى فصلٍ متكرر من حربٍ نفسية تُدار بمهارة؛ غايتها شدّ العصب داخليًا، والتغطية على التعثر، وإعادة تعريف الصراع بوصفه مواجهة مع الخارج، لا أزمة يمنية الجذور.
غير أن الخطورة لا تكمن في هذا الخطاب بحد ذاته، بل في كيفية تلقّيه داخل معسكر الشرعية، بل وحتى في الإقليم والعالم. هنا يتسلل الوهم؛ حيث يُبنى على الاعتقاد بأن اتساع رقعة الحرب الإقليمية قد يفتح “نافذة قدرية” لاستعادة صنعاء. وهي قراءة مريحة… لكنها مضللة. فالحروب الكبرى لا تُخاض لأجل اليمن، بل وفق حسابات القوى الفاعلة، وغالبًا ما تنتهي بتسوياتٍ تُفرض، لا بحسمٍ وطني يُنتزع.
إن صانع القرار اليمني، إن لم يقرأ المشهد بذكاء ويتخذ قراره بعقلية «المبادرة والسبق»، فإنه يتحول—من حيث لا يدري—إلى متواكلٍ لا متوكل. فالعالم اليوم منشغل بحسابات مضيق هرمز، الذي تثبت حقائق الجغرافيا أنه عقدة التوازن الكبرى، وأثره الجيوسياسي أضخم بكثير من ضجيج الصواريخ الفرط صوتية أو الانشطارية التي تتشظى شظاياها في كامل المنطقة. وفي المقابل، يراقب المجتمع الدولي سلوك الحوثي بدقة، ويقيس درجة «انضباطه» في ممر الملاحة وفي مضيق باب المندب، ليس رغبةً في السلام، بل بحثاً عن ضمانات قد تنعكس لاحقاً كمكافآت سياسية له في ملف مضيق باب المندب. فهل تنتظر الشرعية أن تتحول هذه الممرات السيادية إلى أوراق تفاوض رابحة بيد الخصم؟ أم تنتظر تدخلاً خارجياً يفرض واقعاً جديداً يتجاوز وجودها وصلاحياتها؟
المعطيات واضحة، واللحظة لا تحتمل التردد. إن استعادة الحديدة وموانئها ليست خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية؛ فهي مفتاح كسر معادلة الابتزاز، وبوابة استعادة الثقة الدولية بأمن الملاحة، ونقطة البداية الأقل كلفة نحو صنعاء.
الفكرة الجوهرية:
إن الانتظار لما قد تسفر عنه صراعات الإقليم هو مقامرة بمصير الوطن. فالحرب إن اتسعت قد تُدار فوق رؤوس اليمنيين لا لصالحهم، وإن توقفت قد تُغلق معها نوافذ الحسم. وفي الحالتين، لن تكون النتيجة في صالح الشرعية… ما لم تبادر هي وتخلط الأوراق قبل أن تُفرض عليها لا لها.
فصنعاء لن تُستعاد لأن الإقليم اشتعل… ولن تعود لأن الآخرين قرروا التهدئة… بل تُستعاد فقط عندما يقرر اليمنيون امتلاك زمام المبادرة.
ملامح المبادرة الوطنية:
• عسكريًا: توحيد القرار وإنهاء تعدد مراكز القوة، واعتماد الحديدة نقطةَ انطلاقٍ أولى ضمن استراتيجية واضحة، بالتوازي مع تحريك الجبهات بشكلٍ متزامن ومتكامل لإرباك الخصم، وحرمانه من حرية المناورة أو إعادة تموضع قواته وفق إيقاعه.
• اقتصاديًا: استعادة التحكم بالموارد، وتفعيل أدوات الرقابة، وتقديم نموذج دولة قادر على الحياة في مواجهة اقتصاد الجباية والسوق السوداء.
• سياسيًا ومؤسسيًا: إنهاء منطق المحاصصة، وتوجيه مؤسسات الدولة لخدمة مشروع الاستعادة لا إدارة الخلافات.
• إعلاميًا وسياديًا: بناء خطاب وطني موحّد يواكب الفعل، لا يبرره، ويُنهي حالة التشتت.
إن العالم اليوم لا ينتظر من يشرح مأساته، بل من يفرض معادلة جديدة على الأرض. وما دام الفعل غائبًا، سيبقى الخصم هو من يحدد الإيقاع، صعودًا وهبوطًا.
والحقيقة القاسية: من لا يصنع لحظته… سيُفرض عليه توقيت الآخرين.
الفرص لا تُهدى، بل تُنتزع. وإن لم تُبادر الشرعية اليوم، في لحظة سيولة إقليمية نادرة، فلن تجد غدًا إلا واقعًا أكثر تعقيدًا، تُغلق فيه نوافذ الحسم، وتُفرض فيه أنصاف الحلول.
الخلاصة:
معركة استعادة الدولة لا تُخاض على هامش الأحداث، بل في قلبها.
والانتصار لا يتحقق بالانتظار، بل بالفعل الذي يسبق الجميع.
فإما أن تُصنع اللحظة الآن… أو لن تعود.






