أخر الأخبار

ما وراء الركام: هل يكسر "حق العودة" حصار إعادة الإعمار في غزة؟

في ظلّ مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، تبدو غزة وكأنها تدخل “اليوم التالي” للحرب، غير أن المشهد على الأرض يعكس واقعًا أكثر تعقيدًا من مجرد انتقال تقني نحو إعادة الإعمار. فبين دمار واسع النطاق، ونزوح متكرر، وقيود مستمرة على حركة الإعمار، تتداخل الأسئلة الإنسانية مع أبعاد سياسية وتاريخية لا يمكن فصلها عن جذور القضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، تناولت مجلة “972” الإسرائيلية نقاشات متصاعدة حول مستقبل قطاع غزة، لا سيما ما يتعلق بإمكانية ربط إعادة الإعمار بملف القرى الفلسطينية التي هُجّر سكانها عام 1948، في ظل حقيقة أن نسبة كبيرة من سكان القطاع هم لاجئون أو من نسل لاجئين.

ورغم أن الخطاب الدولي غالبًا ما يختزل إعادة إعمار غزة في إطار هندسي أو إنساني، إلا أن مراقبين وناشطين يرون أن المسألة تتجاوز ذلك بكثير، لتلامس جوهر الحقوق السياسية وعلى رأسها حق العودة، الذي بقي حاضرًا في الوعي الفلسطيني رغم مرور أكثر من سبعة عقود على النكبة.

ومن جهة أخرى، تشير معطيات تاريخية إلى أن الفلسطينيين أُجبروا على مغادرة مئات القرى التي لا تزال مساحاتها قائمة بشكل أو بآخر، فيما يقطن الإسرائيليون اليوم نسبة كبيرة من أراضي فلسطين التاريخية. هذا الواقع يفتح، وفق بعض الأطروحات البحثية، نقاشًا نظريًا حول إمكانية إعادة التوطين في تلك المناطق، دون التطرق إلى حلول أحادية أو إقصائية.

غير أن هذا الطرح يصطدم بجملة من التعقيدات السياسية والديمغرافية داخل إسرائيل، حيث تُثار مخاوف تتعلق بالتوازن السكاني والهوية السياسية للدولة، إلى جانب اعتبارات أمنية وتاريخية ما زالت تلقي بظلالها على أي نقاش مستقبلي حول العودة أو إعادة التوزيع السكاني.

في المقابل، يحذّر ناشطون حقوقيون من أن بعض التصورات المطروحة تحت مسمى “الهجرة الطوعية” قد تحمل في جوهرها إعادة إنتاج لأشكال من التهجير غير المباشر، حتى وإن صيغت بلغة مختلفة، معتبرين أن معالجة ملف غزة لا يمكن أن تنفصل عن سياقه التاريخي الأوسع.

وعلى الأرض، تتعدد المبادرات البحثية والحقوقية التي تحاول مقاربة الأزمة من زاوية مختلفة، عبر إعداد خرائط تفصيلية للقرى المهجّرة، ودراسة إمكانيات العودة أو إعادة التوطين الجزئي، إلى جانب طرح نماذج للعدالة الانتقالية تقوم على الاعتراف بالانتهاكات وتعويض المتضررين، بما يفتح الباب أمام مسار طويل من المصالحة التاريخية.

في الوقت نفسه، لا تزال إعادة إعمار غزة تواجه تحديات بنيوية معقدة، أبرزها استمرار القيود على إدخال مواد البناء، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية، ما يجعل عملية التعافي بطيئة ومفتوحة على احتمالات متعددة، لا تتعلق فقط بإعادة بناء الحجر، بل بإعادة تشكيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية داخل القطاع.

وبينما تتقاطع هذه المسارات المتناقضة بين الواقع السياسي القائم والتطلعات الحقوقية التاريخية، يبقى مستقبل غزة معلقًا على قدرة الأطراف المعنية على التعامل مع القضية بوصفها ملفًا مركبًا، لا يمكن اختزاله في الإغاثة أو الإعمار وحدهما، بل في الإجابة عن سؤال أعمق: كيف يمكن التوفيق بين الحاضر المفروض والتاريخ غير المغلق؟

المصدر : وكالات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى