غزة _ الوعل اليمني
في تطور لافت يعكس محاولة استعادة مظاهر الحياة المدنية، تستعد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة لإجراء أول انتخابات بلدية منذ نحو 20 عامًا، وذلك في ظل ظروف استثنائية فرضتها حرب مدمرة وانقسام سياسي طويل.
وتأتي هذه الخطوة، وفق مراقبين، كمحاولة لإعادة تفعيل الإدارة المحلية في قطاع يعاني من انهيار واسع في البنية التحتية وأزمة إنسانية غير مسبوقة، الأمر الذي يضع هذا الاستحقاق أمام اختبار معقد بين الرمزية السياسية والواقع الميداني.
وفي هذا السياق، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية تسجيل إقبال ملحوظ على الترشح، منذ فتح باب تقديم القوائم، ما يعكس اهتمامًا متزايدًا بالمشاركة في العملية الانتخابية.
وقال المدير الإقليمي للجنة في غزة جميل الخالدي إن مكاتب اللجنة شهدت “حركة استفسارات ومراجعات واسعة” من مختلف فئات المجتمع، مشيرًا إلى أن ذلك يمثل مؤشرًا على رغبة كامنة في استعادة المسار الديمقراطي.
وبحسب المعطيات الرسمية، تتنافس أربع قوائم انتخابية تضم كل منها 15 مرشحًا، مع تمثيل نسائي إلزامي، فيما يبلغ عدد الناخبين المؤهلين نحو 70 ألف ناخب سيتوزعون على 12 مركز اقتراع.
أما بشأن اختيار دير البلح، فتشير التقديرات إلى أنها الأقل تضررًا نسبيًا مقارنة بباقي مناطق القطاع، وهو ما أتاح إمكانية تنظيم الانتخابات فيها.
ومع ذلك، فإن المدينة تواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة استضافتها أعدادًا كبيرة من النازحين، الأمر الذي فاقم من أزمات الخدمات الأساسية، لا سيما المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات.
وعليه، تركز البرامج الانتخابية للقوائم المتنافسة على تحسين هذه الخدمات، في محاولة للاستجابة للاحتياجات الأكثر إلحاحًا للسكان.
في المقابل، لا تخلو العملية الانتخابية من تحديات ميدانية، إذ تواجه اللجنة صعوبات تتعلق بتدمير عدد كبير من مراكز الاقتراع أو استخدامها كمراكز إيواء.
وفي هذا الإطار، لجأت اللجنة إلى حلول بديلة، من بينها إنشاء مراكز اقتراع داخل خيام في مواقع مفتوحة، لضمان استمرار العملية الانتخابية.
إلى جانب ذلك، تبرز قيود إدخال المستلزمات الانتخابية كأحد أبرز التحديات، ما دفع الجهات المنظمة إلى البحث عن بدائل محلية.
أمل حذر
على الصعيد الشعبي، تتباين المواقف بين التفاؤل الحذر والتشكيك. ففي حين يرى بعض المواطنين أن الانتخابات تمثل فرصة لتحسين مستوى الخدمات، يعتبر آخرون أن تأثيرها سيظل محدودًا في ظل استمرار الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
ومع ذلك، يتفق كثيرون على أن المشاركة تبقى ضرورية، باعتبارها أحد أشكال التعبير المدني في ظل الظروف الراهنة.
سياسيًا، تحمل هذه الانتخابات دلالات تتجاوز بعدها المحلي، خاصة مع تزامنها مع انتخابات الهيئات المحلية في الضفة الغربية.
ويرى محللون أن هذه الخطوة تعكس محاولة لإعادة ربط غزة بالضفة ضمن إطار سياسي وإداري موحد، رغم استمرار الانقسام الفلسطيني. كما يُنظر إليها باعتبارها اختبارًا محدودًا لإمكانية استئناف العملية الديمقراطية بعد سنوات من الجمود.
اختبار صعب
في غضون ذلك، يواجه المجلس البلدي المقبل تحديات كبيرة، أبرزها نقص الموارد واستمرار الحصار، ما قد يحد من قدرته على تنفيذ برامجه.
ويؤكد مسؤولون محليون أن تحسين الخدمات سيبقى مرهونًا بعوامل خارجية، في مقدمتها إدخال مواد الإعمار والمستلزمات الأساسية.
كما أن نجاح الانتخابات يعتمد على مستوى المشاركة الشعبية، وشفافية العملية، والاستقرار الأمني خلال يوم الاقتراع.
ختامًا، ورغم اقتصار الانتخابات على مدينة واحدة، يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها بداية محتملة لمسار أوسع نحو استعادة الحياة الديمقراطية في قطاع غزة.
غير أن نتائجها، وفق مراقبين، ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في حياة المواطنين، في ظل واقع معقد تفرضه الحرب والانقسام السياسي.







