تقارير
أخر الأخبار

80% من مركبات غزة خارج الخدمة.. انهيار واسع في قطاع النقل يفاقم أزمة بيئية وصحية متصاعدة

غزة _ الوعل اليمني

يشهد قطاع غزة واحدة من أعمق أزمات النقل في تاريخه الحديث، بعدما امتد الدمار ليطال ما يقارب 80% من المركبات المسجلة، في سياق حرب خلّفت آثاراً مركبة لم تتوقف عند البنية التحتية والمنازل، بل وصلت إلى شرايين الحياة اليومية للسكان، وعلى رأسها وسائل المواصلات.

ووفق تقديرات وزارة النقل والمواصلات، فإن ما بين 70% إلى 80% من إجمالي المركبات في القطاع تعرضت لأضرار جسيمة، أدت إلى خروج عشرات آلاف السيارات عن الخدمة، من أصل أكثر من 80 ألف مركبة كانت تعمل قبل اندلاع الحرب. وتشير هذه الأرقام إلى انهيار شبه كامل في منظومة النقل الرسمية، وما ترتب عليه من شلل في الحركة داخل المدن والمناطق المختلفة.

ميدانياً، تظهر مشاهد الدمار حجم الاستهداف الواسع الذي طال المركبات، حيث تعرضت مئات السيارات للحرق الكامل جراء القصف الجوي والمدفعي، فيما سُحقت أعداد كبيرة أخرى بفعل الآليات العسكرية الثقيلة، لتحولها إلى هياكل معدنية مشوهة تنتشر في الشوارع وتعيق الحركة المرورية بشكل كبير.

ومع تزايد تراكم هذه المركبات التالفة في الطرقات ومناطق النزوح، برزت أزمة إضافية تتعلق بغياب أماكن مخصصة لتجميع الحطام، في ظل ضغط إنساني متصاعد يفرض أولوية استخدام الأراضي لإيواء مئات آلاف النازحين، الأمر الذي يحدّ من قدرة البلديات والجهات المختصة على تنفيذ عمليات إزالة وتنظيم فعالة.

وفي هذا السياق، أوضح المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات أنيس عرفات أن الوضع اللوجستي المعقد يعيق جهود التعامل مع “سكراب” المركبات التالفة، مشيراً إلى أن تراكمها في الشوارع فاقم من حالة الاكتظاظ وأدى إلى إغلاق عدد من المحاور الحيوية داخل القطاع.

أزمة بيئية متفاقمة

وبالتوازي مع ذلك، لم يتوقف أثر الدمار عند الجانب المروري فحسب، بل امتد ليشكل تهديداً بيئياً وصحياً متصاعداً. فقد تحولت هذه الهياكل المعدنية المدمرة، ومع غياب خدمات النظافة وجمع النفايات، إلى نقاط لتراكم المخلفات، ما ساهم في تفاقم التلوث البصري والبيئي في المناطق السكنية ومحيط مراكز الإيواء.

علاوة على ذلك، حذر مختصون من أن هذه البيئات المغلقة أصبحت أرضاً خصبة لتكاثر القوارض والحشرات مثل البعوض والبراغيث، الأمر الذي يرفع من احتمالية انتشار الأمراض المعدية، خاصة في المخيمات المكتظة التي تعاني أساساً من نقص حاد في خدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية.

وتتزامن هذه المخاطر مع أزمة بيئية أوسع يشهدها القطاع، تتمثل في تراكم النفايات قرب أماكن النزوح نتيجة تعذر الوصول إلى المكبات الرئيسية، ما ينذر بتدهور إضافي في الأوضاع الصحية، واحتمال تفشي أوبئة يصعب احتواؤها في ظل انهيار المنظومة الطبية.

من جانب آخر، أدى شلل قطاع النقل إلى اضطرار السكان للاعتماد على وسائل بديلة بدائية ومحدودة، مثل العربات اليدوية والدراجات الهوائية والتوك توك والعربات المجرورة، إضافة إلى النقل غير المنظم عبر الشاحنات المتاحة، وهو ما خلق نمطاً جديداً من “اقتصاد الحركة” داخل القطاع، لكنه زاد في المقابل من الأعباء المعيشية ورفع كلفة التنقل بشكل كبير.

نمط نقل بديل

وفي هذا الإطار، أشار المركز الفلسطيني للدراسات السياسية في دراسة تحليلية إلى أن الحرب على غزة لم تدمر البنية التحتية للنقل فحسب، بل أعادت تشكيله بالكامل، حيث أدى تدمير الطرق وشبكات الحركة ونقص الوقود إلى انهيار المنظومة الرسمية، وظهور أنماط نقل غير رسمية أعادت تنظيم الحياة اليومية بشكل قسري.

وبحسب الدراسة، فإن هذا التحول أفرز مهنًا جديدة مرتبطة بوسائل النقل البديلة، لكنه في الوقت ذاته عمّق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، إذ بات الوصول إلى الخدمات الأساسية مرهوناً بالقدرة على تحمل تكاليف التنقل، في ظل أزمة سيولة حادة وارتفاع مستمر في الأسعار.

كما خلصت الدراسة إلى أن ما نشأ في غزة يمثل نموذجاً حضرياً طارئاً يقوم على التكيف القسري والابتكار تحت الضغط، إلا أنه يظل نموذجاً هشاً يعكس عمق الانهيار في البنية التحتية وغياب منظومة نقل آمنة وعادلة.

وفي ضوء هذا الواقع، تتصاعد الدعوات إلى تدخل عاجل لإعادة تنظيم قطاع النقل ضمن رؤية إعمار شاملة، تبدأ بإزالة الركام وإعادة تأهيل الطرق، وصولاً إلى استعادة الحد الأدنى من حق الحركة كأحد أسس التعافي الإنساني والاقتصادي في قطاع غزة.

زر الذهاب إلى الأعلى