تقارير

العيد في مناطق الحوثيين.. فرحة باهتة في ظل الفقر وانهيار المعيشة

خاص /الوعل اليمني

مع اقتراب عيد الفطر، تبدأ المدن اليمنية عادةً بالاستعداد لموسم طالما ارتبط بالفرح والزيارات العائلية وملابس الأطفال الجديدة. غير أن ملامح العيد هذا العام تبدو مختلفة في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، حيث يقترب العيد فيما يعيش ملايين السكان أوضاعاً معيشية قاسية نتيجة انقطاع الرواتب وارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل، ما جعل كثيراً من الأسر تستقبل العيد بقلوب مثقلة بالهموم.

في العاصمة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة، تبدو الأسواق مزدحمة ظاهرياً، لكن المتجولين فيها يلاحظون سريعاً أن أغلب الزبائن يكتفون بالنظر إلى السلع دون شرائها. فمعظم الأسر لم تعد قادرة على شراء ملابس العيد أو مستلزماته كما كانت تفعل في السابق، في ظل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.

يقول المواطن محمد العريقي، وهو موظف حكومي في إحدى المؤسسات التعليمية بصنعاء، إن العيد لم يعد كما كان قبل الحرب. ويوضح ” لموقع الوعل اليمني” أن راتبه متوقف منذ سنوات، ويعتمد في إعالة أسرته على أعمال يومية متفرقة بالكاد تكفي لتوفير الطعام.

ويضيف: “قبل الحرب كنا نشتري ملابس العيد للأطفال قبل أيام من العيد، وكانت البيوت مليئة بالفرح. اليوم أصبح همنا الوحيد هو توفير الأكل. حتى شراء ملابس بسيطة للأطفال أصبح أمراً صعباً”.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن مئات آلاف الموظفين في مناطق الحوثيين لم يتلقوا رواتبهم بانتظام منذ سنوات، ما دفع كثيراً منهم إلى بيع ممتلكاتهم أو البحث عن أعمال إضافية للبقاء على قيد الحياة.

الشراء مؤجل

في سوق باب اليمن وسط صنعاء، أحد أشهر الأسواق الشعبية في البلاد، يقف التاجر عبدالكريم الصبري أمام متجره الصغير للملابس، يراقب المارة وهم يتنقلون بين المحلات.

يقول الصبري ” لموقع الوعل اليمني” إن حركة البيع خلال موسم العيد هذا العام ضعيفة مقارنة بالسنوات الماضية. ويشرح: “الناس يأتون ويسألون عن الأسعار ثم يغادرون. كثير منهم يقولون إنهم سيعودون لاحقاً، لكنهم لا يعودون”.

ويضيف أن كثيراً من الأسر باتت تلجأ إلى شراء الملابس المستعملة أو الرخيصة جداً، فيما يضطر بعض الآباء إلى شراء قطعة واحدة فقط لكل طفل، بدلاً من الملابس الكاملة التي كانت تُشترى في الماضي.

ويشير إلى أن ارتفاع تكاليف الاستيراد والرسوم والجبايات المفروضة على التجار انعكس بدوره على أسعار الملابس، ما زاد من صعوبة حصول المواطنين عليها.

فرحة صغيرة

في أحد الأحياء الشعبية شمال صنعاء، تعيش أم أحمد، وهي امرأة ثلاثينية فقدت زوجها قبل سنوات، مع أربعة أطفال في منزل بسيط. تقول إن العيد يقترب هذا العام بينما تعجز عن توفير أبسط احتياجات أطفالها.

تروي لـ”لموقع الوعل اليمني ” أن أطفالها يسألونها يومياً عن ملابس العيد. تضيف: “كل يوم يسألوني متى سنذهب إلى السوق. أقول لهم قريباً، لكن الحقيقة أنني لا أملك المال”.

وتتابع بصوت تختلط فيه الحسرة بالأمل: “أفكر أن أذهب إلى سوق الملابس المستعملة لأشتري لهم شيئاً بسيطاً حتى لا يشعروا أنهم مختلفون عن بقية الأطفال”.وتوضح أن أكبر همومها حالياً هو توفير الطعام، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال الأشهر الماضية.

بلا جديد

في أحد شوارع صنعاء القديمة، كان مجموعة من الأطفال يلعبون بكرة بلاستيكية مهترئة. يقول الطفل يحيى، البالغ من العمر عشرة أعوام، إنه يتمنى أن يحصل على ملابس جديدة في العيد.

ويقول الطفل ل “كل سنة كنت أشتري بدلة جديدة وحذاء، لكن أبي قال هذه السنة لا يوجد مال”.ويضيف بابتسامة خجولة: “أتمنى فقط أن أشتري حذاء جديداً”.قصص مشابهة تتكرر في كثير من الأحياء الفقيرة في صنعاء وذمار وإب وتعز الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث أصبح العيد بالنسبة للكثير من الأطفال مناسبة يختلط فيها الأمل بالخيبة.

يقول المواطن علي القباطي، وهو سائق دراجة نارية يعمل في نقل الركاب، إن كثيراً من الأسر تضطر للاقتراض من أجل توفير احتياجات العيد لأطفالها.

ويضيف لـ”لموقع الوعل اليمني”: “بعض الآباء يستدينون فقط حتى لا يشعر أطفالهم بالحرمان في يوم العيد. لكن بعد العيد تبدأ معاناة سداد الديون”.ويشير إلى أن فرص العمل أصبحت محدودة، فيما ارتفعت أسعار الوقود والمواد الأساسية، ما جعل الحياة أكثر صعوبة على أصحاب الدخل المحدود.

الجبايات تثقل كاهل التجار

من جانب آخر، يقول التاجر فؤاد الحرازي إن التجار أنفسهم يواجهون صعوبات كبيرة خلال المواسم بسبب الرسوم والجبايات المفروضة عليهم.

ويقول لـ”الموقع الوعل اليمني”: “هناك رسوم متعددة تُفرض على البضائع وعلى المحلات، وهذا يرفع التكاليف. وفي النهاية ينعكس ذلك على أسعار السلع”.ويضيف أن ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين جعل كثيراً من التجار يواجهون ركوداً حاداً في الأسواق، حتى في مواسم يفترض أن تكون نشطة مثل الأعياد.

العيد في بيوت الفقراء

في إحدى القرى بمحافظة عمران، تجلس أم خالد أمام منزلها الطيني وهي تعد الخبز على موقد بسيط. تقول إن العيد بالنسبة لهم لم يعد يختلف كثيراً عن بقية الأيام.وتضيف “نحاول أن نصنع بعض الحلوى البسيطة للأطفال في البيت لأننا لا نستطيع شراءها من السوق”.وتوضح أن معظم سكان القرية يعتمدون على الزراعة المحدودة أو المساعدات الإنسانية، التي لم تعد تصل بانتظام كما كانت في السابق.

يقول المواطن سالم الشامي، وهو مدرس في إحدى مدارس صنعاء، إن أكثر ما يؤلم الناس اليوم هو مقارنة واقعهم الحالي بما كانت عليه الأوضاع قبل سنوات.

ويضيف: “كان العيد مناسبة ينتظرها الجميع. الأسواق كانت مليئة بالحياة، والناس يتبادلون الزيارات والهدايا. اليوم كثير من الأسر بالكاد تستطيع توفير الطعام”.ويرى الشامي أن استمرار الحرب والأزمة الاقتصادية جعل العيد يفقد الكثير من معانيه الاجتماعية والإنسانية.

ورغم هذه الظروف الصعبة، يحاول كثير من اليمنيين الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر الفرح، خصوصاً من أجل الأطفال. ففي بعض الأحياء، يتعاون الجيران لإقامة ألعاب بسيطة للأطفال أو توزيع الحلوى عليهم.

تقول أم أحمد في ختام حديثها: “نحن نعيش أياماً صعبة، لكننا نحاول أن نصنع فرحة صغيرة لأطفالنا حتى لا يشعروا بكل هذا الألم”.

ومع اقتراب العيد، يبقى الأمل حاضراً في قلوب كثير من اليمنيين بأن تحمل الأيام القادمة ظروفاً أفضل، تعيد إلى بيوتهم شيئاً من الفرح الذي غاب طويلاً.

زر الذهاب إلى الأعلى