تقارير

اليمن في مرآة الصحافة العبرية.. تقرير لمركز صنعاء يكشف كواليس تريث صنعاء عن إسناد طهران.

تقرير

بينما كانت سماء المنطقة تشتعل بومضات الصواريخ المتبادلة بين طهران وتل أبيب، ظلّت جبهة اليمن لفترة من الوقت “خارج التغطية” الميدانية المباشرة، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام سيل من التكهنات والتحليلات في مراكز الأبحاث العالمية.

ووفقاً لما تتبعه ورصده مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في ترجماته الأخيرة لأبرز ما أوردته الصحافة العبرية، فإن السؤال الذي هيمن على غرف العمليات في تل أبيب لم يكن مجرد تساؤل عابر، بل كان بحثاً مضنياً عن الأسباب التي أخرت انضمام الحوثيين إلى “إسناد إيران” رغم التحالف الأيديولوجي المتين. هذا التساؤل، كما يوضح تقرير المركز، اكتسب بُعداً جديداً بعد تنفيذ أول هجوم معلن، لينتقل النقاش من البحث في “أسباب الغياب” إلى تفكيك “شيفرة المباغتة”.

يرصد مركز صنعاء في هذا السياق تحليلاً لافتاً للمحلل الإسرائيلي “أور هوروفيتس” المنشور عبر موقع “والا” العبري، حيث يشير إلى أن حالة من “الحيرة” سادت دوائر التقدير الإسرائيلية والأمريكية. هذه الحيرة نبعت من عدم قدرة هذه الدوائر على الجزم بما إذا كان الحوثيون يتصرفون بدافع من “الاستقلالية السياسية” أم أنهم مجرد ورقة يتم “ادخارها” لمرحلة أكثر خطورة من الصراع. وبحسب القراءة التي استعرضها المركز، فإن الاحتمال الأرجح من المنظور الاستخباري الإسرائيلي كان يميل إلى أن الجماعة واقعة تحت وطأة “الردع والإعياء”؛ نتيجة استنفاد جزء كبير من ترسانتها العسكرية وتعرضها لسلسلة من الضربات التي شنتها إسرائيل، مما جعلها تتريث في حساب “كلفة الانخراط” مقابل “عائد البقاء”.

وفي عمق هذا الرصد، ينقل مركز صنعاء اقتباسات توضح أن الحوثيين، بخلاف أطراف أخرى في “المحور”، لا يتماهون كلياً مع الإملاءات الإيرانية اللحظية. فالجماعة تسعى للموازنة بين شراكتها الاستراتيجية مع طهران وبين طموحات زعيمها الذي يرى نفسه قائداً محورياً له رؤية إقليمية مستقلة. هذا “الهامش من الاستقلالية” الذي رصده المركز في التحليلات العبرية، يشير إلى أن قرار عدم الانخراط الفوري ربما كان رسالة سياسية مزدوجة: الأولى لإيران مفادها أن للحوثيين حساباتهم الخاصة، والثانية للمنطقة برمتها بأن صنعاء ليست “وكيلة” بالمعنى التقليدي للكلمة، بل هي شريك يمتلك قرار “توقيت المعركة”.

بيد أن هذا التريث الحوثي الذي حلله مركز صنعاء، لم يخلُ من أبعاد عسكرية تكتيكية؛ فالاستخبارات الإسرائيلية لم تغفل لحظة واحدة عن إمكانية أن يكون هذا الصمت “ستاراً دخانياً” لعملية مباغتة. ويشير التقرير المترجم للمركز إلى أن القلق كان يتصاعد من احتمال قيام الجماعة بشن “وابل كثيف” من الصواريخ أو المسيرات في لحظة انشغال الدفاعات الجوية الإسرائيلية بجبهات أخرى، أو حتى القيام بمغامرة برية أو بحرية غير متوقعة. هذه الحالة من “الغموض الاستراتيجي” التي رصدها المركز، جعلت من جبهة اليمن الجبهة الأكثر “مراوغة” وتعقيداً، حيث تداخلت فيها رغبة الحوثيين في الحفاظ على قوتهم مع استعدادهم الدائم لتنفيذ ما يسمونه “الجهاد المقدس” تلبيةً لنداء الأيديولوجيا، ولكن وفقاً لجدول زمني يخدم بقاءهم كقوة حاكمة لا تنهار تحت ضربات الرد الوشيك.

ضغوط “المحور” ورهانات السيطرة على المضائق

ومع انتقال المشهد إلى مرحلة أكثر سخونة، كشف رصد مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية عن انتقال الجماعة من “التريث الاستراتيجي” إلى “التحشيد العملياتي” تحت ضغوط مكثفة من حلفائها الإقليميين. ووفقاً لتقارير أمنية إسرائيلية رصدها المركز، بدأت ملامح التغيير تظهر بوضوح مع رصد تحركات غير مسبوقة في الساحل الغربي لليمن، وتحديداً في محيط مدينة الحديدة الاستراتيجية. ينقل المركز عن الصحفي الإسرائيلي “روعي كايس” ومصادر أمنية لموقع هيئة البث الإسرائيلية “كان”، أن الضغوط التي مارستها إيران وحزب الله على الحوثيين للانضمام الفعلي للحملة العسكرية وصلت إلى ذروتها في أعقاب انتهاء عطلة عيد الفطر. وبحسب هذه المصادر، فإن طهران لم تعد تكتفي بالدعم الإعلامي أو “الإسناد المعنوي”، بل طالبت بفتح جبهة استنزاف بحرية قادرة على إرباك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية دفعة واحدة.

هذا الضغط الإيراني، كما يوضحه رصد المركز، ترافق مع تقارير ميدانية أكدت تعزيز الحوثيين لقواتهم في المناطق الساحلية. وهنا تبرز فرضية “إغلاق مضيق باب المندب” ككابوس يؤرق الدوائر الاقتصادية والعسكرية الدولية. ويشير تقرير المركز إلى تصريح لمسؤول عسكري إيراني لوسائل إعلام محلية، لوّح فيه باحتمالية انضمام الحوثيين للحملة عبر إغلاق المضيق كلياً في حال شنت الولايات المتحدة هجوماً برياً على إيران، وهو ما يعكس رغبة “المحور” في تحويل الجغرافيا اليمنية إلى “كمين ملاحي” عالمي.

وفي سياق متصل، يتطرق التقرير الذي أعده مركز صنعاء إلى تحليل “داني سيترينوفيتش” في صحيفة “يسرائيل هيوم”، الذي يرى أن التنسيق بين صنعاء وطهران دخل مرحلة “توزيع الأدوار الوظيفية”. فالتريث الحوثي في هذه المرحلة لم يكن ناتجاً عن تردد، بل كان لضمان جاهزية “وحدات المهام الخاصة” والمسيرات البحرية والألغام الذكية. إن الهدف من هذا التنسيق، كما رصده المركز، هو إبقاء الحوثيين كقوة “صدمة” تتدخل في اللحظة التي تبلغ فيها حرب الاستنزاف مداها، مما يجعل من تدخلهم المتأخر أكثر تأثيراً وإرباكاً للمنظومات الدفاعية التي استُنزفت في صد رشقات الصواريخ القادمة من الشمال والشرق.

بيد أن هذا التحشيد في الحديدة وباب المندب، والذي تابعه مركز صنعاء باهتمام، يضع الجماعة أمام معضلة كبرى؛ فالمصادر الإسرائيلية تشير إلى أن أي محاولة جدية لتعطيل الملاحة الدولية ستقابل برد فعل عسكري “ساحق” قد لا تقتصر آثاره على تدمير المنصات الصاروخية، بل قد تمتد لتشمل البنية التحتية الحيوية التي بدأت الجماعة لتوها في ترميمها. هذا التجاذب بين “الالتزام بأجندة المحور” وبين “الحفاظ على المكتسبات الميدانية” في الساحل، يمثل الجوهر الحقيقي للصراع الداخلي الذي تعيشه القيادة الحوثية في هذه المرحلة الحرجة.

معضلة “التفكك الداخلي” و”الانهيار الاقتصادي”.

وفي ختام هذا الرصد التحليلي، نصل إلى الأبعاد الأكثر حساسية في المشهد؛ حيث لم تعد المواجهة مجرد تبادل لإطلاق النار، بل تحولت إلى لعبة “بقاء” وجودية للجماعة ككل. يكشف رصد المركز لتقارير أمنية وبحثية دولية، أن الحوثيين يواجهون تحدياً مزدوجاً يتمثل في معضلة “التفكك الداخلي” و”الانهيار الاقتصادي”. ينقل مركز صنعاء عن الباحث “آري هيستين” رؤية دقيقة تشير إلى أن الجماعة تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة قد تدفع بها إلى حافة الانهيار إذا ما انخرطت في حرب إقليمية شاملة وطويلة الأمد. ويوضح التقرير أن الاقتصاد الحوثي، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على الموانئ البحرية المتهالكة، لا يملك “رفاهية” الصمود في حال تعرضت هذه الموانئ لضربات شلّت قدرتها على الاستيراد والتمويل.

وفي سياق متصل، يسلط مركز صنعاء الضوء على نقطة استراتيجية بالغة الخطورة، وهي “طبيعة الهيكل القيادي الحوثي”. فبحسب الرصد البحثي، تعتمد الجماعة على روابط عائلية وشخصية وثيقة للغاية، وهي نقطة ضعف قاتلة في ظل استراتيجيات “قطع الرأس” (الاغتيالات الموجهة) التي تستخدمها القوى الدولية ضد قيادات المحور. يذكر التقرير أن دروس اغتيال كبار القادة العسكريين في إيران ولبنان وسوريا خلال العام الماضي قد خلقت حالة من الذعر التكتيكي لدى قيادات صنعاء، الذين يدركون أن أي هجوم واسع النطاق قد يؤدي إلى استهداف مباشر لهرم السلطة، مما قد يفرز فوضى عارمة داخل صفوف الجماعة، وربما انشقاقات واسعة في أوساط المقاتلين الذين قد يجدون أنفسهم دون “مرجعية قيادية” في ظل المعركة.

ويختتم مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية رؤيته للمشهد بالتحذير من أن الحوثيين، رغم كل ما يبدونه من “تصلب أيديولوجي”، يظلون فاعلاً يتقن ممارسة “الهُدن الاستراتيجية”. فالتاريخ الحديث للجماعة، وفقاً لما وثقه المركز، يظهر قدرتهم العالية على “الانسحاب التكتيكي” أو “الصمت المطبق” عندما يفقدون زخمهم أو حين يشعرون بأن البقاء بات على المحك. لذا، فإن تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية التي رصدها المركز تؤكد على ضرورة “عدم الاغترار” بأي صمت حوثي مستقبلي؛ فالجماعة تحتفظ دائماً بعنصر المفاجأة كآخر ورقة ضغط تمتلكها.

إن الخلاصة التي يضعها المركز أمام المتابع هي أن الجبهة اليمنية ستظل “رقماً صعباً” في المعادلة الإقليمية. فالحوثيون اليوم ليسوا مجرد جماعة مسلحة، بل هم كيان يسعى للتحول إلى “لاعب دولي” يفرض شروطه عبر تعطيل الملاحة أو استهداف العمق الإسرائيلي. لكن هذا الطموح، محفوف بمخاطر وجودية؛ حيث يبقى الحوثيون “رهائن” لمصير إيران ومصير قدرتهم الخاصة على إدارة التوازن الدقيق بين “الولاء للمحور” وبين “الحفاظ على مكتسبات الحكم في صنعاء”، في معادلة تبدو يوماً بعد يوم أكثر تعقيداً وقابلية للانفجار.

زر الذهاب إلى الأعلى