تقرير يرصد كيف أعادت أحداث الجنوب تشكيل التموضع الإقليمي بين السعودية والإمارات؟

حلل موقع “يمن شباب نت” جملة التحولات التي حدثت في جنوب اليمن، وربطها باستراتيجيات المصالح لكلٍّ من الإمارات والسعودية، وفيما يلي نص التقرير:
تمثل التطورات الأخيرة في جنوب اليمن تحولا كبيرا وغير متوقع حسم أبرز ملف شائك منذ بداية الحرب، وهو ملف الانفصال والانقسامات في أوساط الأطراف المناهضة لمليشيا الحوثي، وذلك بعد سنوات من الجمود السياسي والعسكري، الذي تخللته ترتيبات واستعدادات أفضت إلى ما حدث خلال الأيام الأخيرة.
البداية من توسع المجلس الانتقالي شرقا في محافظتي حضرموت والمهرة، ثم تراجعه سريعا تحت وقع ضغط عسكري، وإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات وطردها من اليمن، ثم إسقاط عضوية رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، من مجلس القيادة الرئاسي، بتهمة الخيانة العظمى، وإحالته للنائب العام، وانتهاء بإعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي.
واللافت في التطورات الأخيرة هو الارتدادات العكسية للملف اليمني على دور أبرز الفاعلين الإقليميين في اليمن. فبعد أن كان الملف اليمني ساحة توافق بين السعودية والإمارات أصبح اليوم محطة افتراق كبير، بعد أن اتخذت الإمارات من اليمن ساحة لتوسيع نفوذها وتهديد أمن السعودية.
بدا ذلك من خلال التسريع بمشروع الانفصال، ومحاولة تقديمه للعالم عبر بوابة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي بهدف نيل الاعتراف الدولي به، وترحيب إسرائيل بذلك، التي تطمح لإيجاد موضع قدم لها في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، مما يشكل تهديدا وجوديا لليمن ويحوله إلى ساحة اشتباك وتوتر دائم بين إسرائيل من جهة والحوثيين وإيران من جهة أخرى، وانعكاس ذلك على استقرار المنطقة وأمن الطاقة والتجارة العالمية.
الجغرافيا أقوى من السياسة
منذ سنوات، تعمل دولة الإمارات على توسيع نفوذها الإقليمي على حساب السعودية، لا سيما في مناطق الصراعات، فتدخلت في مختلف الملفات الساخنة في المنطقة، وانتهجت سياسات تبدو مناوئة لمصالح السعودية وسياستها الخارجية، وكان جنوب اليمن أبرز ميدان عاثت فيه الإمارات خرابا، وفرضت سيطرتها على بعض المدن والجُزُر والموانئ والمطارات اليمنية، عبر فصائل عسكرية كانت هي من شكلها، وظلت تقدم لها الدعم بالمال والسلاح.
وبما أنها، أي الإمارات، تعمل على ترسيخ نفوذ إقليمي لمنافسة السعودية، فقد رأت في التطبيع مع الكيان الإسرائيلي مدخلا لتسويق نفسها لدى الدول الغربية على أمل أن تتخذ تلك الدول من أبوظبي وكيلا جديدا في المنطقة، كما أنها اتخذت من التطبيع وسيلة للمزايدة السياسية على السعودية لإحراجها أمام حلفائها الغربيين الداعمين لمسار التطبيع، بعد أن اتخذت من جنوب اليمن ساحة جديدة لمناكفة السعودية، من خلال الدعم المستمر والنوعي لمشروع الانفصال، مع محاولات جلب الاعتراف الدولي به من خلال تمريره عبر بوابة التطبيع مع إسرائيل.
تبادل الكيان الإسرائيلي والمجلس الانتقالي الجنوبي الرسائل عبر وسائل الإعلام بشأن اعتزام “الانتقالي” التطبيع مع إسرائيل مقابل حشد الدعم الدولي للانفصال والاعتراف لاحقا بالدولة كما حدث مع إقليم أرض الصومال، مع التأكيد على الرغبة في إقامة علاقات تحالف بين الطرفين بذريعة مواجهة مليشيا الحوثيين، التي تعد الآن أنشط أذرع إيران في المنطقة، بعد انهيار حزب الله اللبناني، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وضغوط واشنطن لإضعاف المليشيات الطائفية في العراق.
الحسابات السعودية
لم تكن السعودية أو الإمارات تتوقعان أن تصل العلاقة بينهما إلى المستوى الذي وصلت إليه مؤخرا بفعل التطورات المتسارعة التي شهدتها المحافظات الجنوبية والشرقية، فالإمارات كانت تراهن على صمت السعودية، خصوصا أنه لم يبدُ منها أي اعتراض منذ أن بدأت الإمارات بهندسة الأوضاع في بعض المحافظات الجنوبية سياسيا وعسكريا.
كانت المملكة العربية السعودية تراقب التحركات الإماراتية، وبدأت بالاستعداد لأي سيناريوهات كارثية متوقعة من خلال تشكيل ودعم قوات عسكرية جديدة تتبع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أُطلق عليها “درع الوطن”.
تدرك السعودية المساعي الإماراتية لتقويض نفوذها في المنطقة أو على الأقل مزاحمتها، وهو ما كان قد تجلى بوضوح في مراسلات السفير الإماراتي لدى واشنطن، يوسف العتيبة، التي كُشف عنها إثر اختراق إيميله الشخصي، عام 2017، ومنها رسالة موجهة إلى الكاتب الصحفي في صحيفة نيويورك تايمز، توماس فريدمان، قال فيها إن أبوظبي حاربت السعوديين لمئتي سنة بسبب الوهابية، وإن الإماراتيين لديهم من “التاريخ السيئ” مع السعودية أكثر بكثير مما لديهم مع أي جهة أخرى، ولعله بذلك يشير إلى خلافات بلاده الحدودية مع السعودية، وعدم الاقتناع بمضمون اتفاقية جدة، عام 1974، لحسم تلك الخلافات.
وفي المقابل، كانت السعودية على جفاء مع حلفاء الإمارات في اليمن خلال السنوات الأخيرة، وترى فيهم تهديدا لأمنها، خصوصا بعد الحديث عن اعتزام المجلس الانتقالي التطبيع مع إسرائيل في حال تحقق مشروع الانفصال، فضلا عن الحمولات التاريخية لعهد التشطير، مثل حرب الوديعة بين السعودية وقوات الشطر الجنوبي قبل الوحدة، وأيضا دعم نظام الحكم في عدن لجبهة ظفار اليسارية في سلطنة عمان، بغية الإطاحة بنظام الحكم هناك، فضلا عن التهديدات المستمرة لنظام عدن باجتياح دول الخليج وإسقاط أنظمة الحكم الملكية “الرجعية” هناك واستبدالها بأنظمة حكم يسارية “تقدمية”، وفق الخطاب السياسي والإعلامي لنظام الحكم في عدن حينها.
وعلى الجانب الآخر، فإن اعتراف الكيان الإسرائيلي بإقليم “أرض الصومال” كدولة انفصالية عن الصومال، وتفاعله الإيجابي مع تصريحات قيادات المجلس الانتقالي بشأن التطبيع، شكل مصدر قلق للسعودية، التي رأت أن الانفصال والتطبيع سينقل الملف اليمني إلى مرحلة شديدة التعقيد ومن الصعب التحكم المرن به بعد ذلك، مما سيلقي بظلاله القاتمة على الأمن القومي للسعودية وأمن الطاقة والتجارة الدولية.
وبذلك تكون دولة الإمارات المعزولة وراء الرمال في الضفة الشرقية للجزيرة العربية والبعيدة عن خرائط النار الإقليمية قد فخخت الخاصرة الجنوبية للسعودية ببؤرة توتر معقدة ومُزْمِنة في اليمن، حيث يوجد الحوثيون ومن ورائهم إيران في الشمال، والمجلس الانتقالي ومن ورائه الكيان الإسرائيلي في الجنوب.
وإذا كان الحوثيون قد هددوا باستهداف أي وجود عسكري إسرائيلي في “أرض الصومال” الانفصالية بعد اعتراف إسرائيل بها، فإن انفصال الجنوب واعتراف إسرائيل به سيمنح الحوثيين الذريعة لتجييش قبائل الشمال ذات الكثرة العددية والدفع بها نحو الجنوب بذريعة الدفاع عن الوحدة الوطنية وحتى لا يتحول الجنوب إلى قاعدة عسكرية إسرائيلية.
وإسرائيل من جانبها قد تتدخل عسكريا ضد الحوثيين أو على الأقل ستقدم الدعم العسكري للمجلس الانتقالي، وبذلك ستدخل الأزمة اليمنية طورا جديدا وسيكون من الصعب على السعودية الإمساك بخيوطها من جديد، ومن هذا المنطلق كان الحسم السريع والفاعل ضد مشروع الانفصال بعد أن وصلت ترتيباته إلى ذروتها.
الزلزال الذي هز الإقليم
ليست مبالغة القول بأن الحسم السريع ضد مشروع الانفصال يعد بمنزلة زلزال إقليمي أعاد ترتيب أدوار الفاعلين الإقليميين في اليمن أو دفعهم إلى إعادة التموضع، وتعد العلاقة بين السعودية والإمارات الأكثر تأثرا بالأحداث الأخيرة، وسواء تم احتواء التوتر بينهما أو انتقل إلى مستويات جديدة، فإن العلاقة بينهما لن تعود كما كانت، خصوصا فيما يتعلق بالسياسات الخارجية والمواقف من مختلف الأزمات والصراعات في الإقليم.
وتشير تسريبات وسائل إعلام غربية إلى أن السعودية عازمة على تحجيم النفوذ الإماراتي المتنامي في مختلف مناطق النزاعات بالإقليم، واتخاذ إجراءات تعزز من مكانة المملكة الاقتصادية والتجارية لسحب البساط من الإمارات التي كانت قد برزت كمركز تجاري إقليمي، هذا بعد أن كانت العلاقة بين الدولتين قد اتسمت بالتحالف الفعال ضد الحوثيين في اليمن في بداية الحرب، وخلال الأزمة مع قطر، وأيضا ضد القوى الإقليمية الصاعدة مثل إيران وتركيا، قبل أن تشهد المنطقة مصالحات سياسية بين أبرز قواها الفاعلة.
ومن جانب آخر، لا شك أن الإمارات قد انصدمت جراء الموقف السعودي الحازم ضدها في الوقت الذي كانت تأمل فيه أن تبدأ باستكمال تنفيذ مخططاتها وحصاد جهودها بعد أن ظلت لسنوات تنفق الأموال وتقدم السلاح للمليشيات التخريبية في ليبيا واليمن والسودان، وفي لحظة حساسة فوجئت بأن مشاريعها الإقليمية أصبحت هباء منثورا رغم الإنفاق الهائل عليها، وتبعا لذلك انكمش نفوذها الذي كانت قد بدأت تعمل لأجل تحقيقه منذ أكثر من عشر سنوات.
حاليا ليس لدى الإمارات القدرة على مواجهة السعودية التي بإمكانها حشد الحلفاء سريعا إلى جانبها، فضلا عن مرونتها في التعاطي مع مختلف الملفات الإقليمية مما يمنحها القبول، بخلاف الإمارات المتطرفة في مواقفها ضد طموحات الشعوب وأحلامها، وصارت سياستها تُواجه بالاستنكار من مختلف الشعوب العربية، بسبب تدخلها التخريبي ودعمها للمليشيات التخريبية في مناطق النزاعات بالإقليم.
ورغم مساعي الإمارات للتهدئة مع السعودية والاستعانة بوسطاء خليجيين لإعادة المياه إلى مجاريها، لكنها لن تستمر على هذا الخط طوال المراحل المقبلة، وستظل تعمل على إيذاء السعودية من وراء ستار بمختلف الوسائل المتاحة كنوع من الانتقام، وقد يصل الأمر إلى التحالف مع إيران والحوثيين، ودفع أموال أو تهريب أسلحة عبر مسارات التهريب الإيرانية، وربما بذل محاولات وجهود لتفخيخ الوضع في جنوب اليمن مجددا عبر تنظيمات متطرفة.
كما أنها، أي الإمارات، ستعمل على تعزيز علاقتها بالكيان الإسرائيلي، والتنسيق معه في ملفات أخرى لا تضر مباشرة بعلاقتها مع السعودية، لكن باعتبار أن التطبيع يعد المجال الخصب لاكتساب حظوة لدى الدول الغربية الحليفة لإسرائيل، والتعريض بالسعودية وإن بشكل غير مباشر، كونها تبدي ممانعة بشأن التطبيع مع إسرائيل، وتشترط لذلك قيام دولة فلسطينية، أو ما يطلق عليه “حل الدولتين”.
فضلا عن ذلك، قد تشهد العلاقات السعودية الإماراتية أزمات جديدة في ملفات بعيدة عن السياسة، مثل الاقتصاد والتجارة وأمن منطقة الخليج ذاتها، بمعنى أن الخلاف بينهما في الملف اليمني ستتطاير شظاياه لتشمل مختلف الملفات الأخرى، وسيكون “انعدام الثقة” العنوان الأبرز لعلاقاتهما حتى في حال تعافيها وتصفير التوترات بينهما.
كما أن الحسم السريع ضد مشروع الانفصال بعد أن وصلت ترتيباته إلى ذروتها، وسعي السلطة الشرعية لإنهاء الانقسامات وتوحيد مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع، كل ذلك سيثير مخاوف إيران ومليشيا الحوثيين التي تستمد بقاءها من الانقسامات في أوساط الأطراف المناهضة لها.
وبالتالي، فإن مجرد وحدة الأطراف المناهضة لمليشيا الحوثيين بحد ذاتها تمثل عامل ضغط نفسي ومعنوي على تلك المليشيا، وهو ما سيكون له أثره الكبير في حال اندلاع معركة الحسم من مختلف الجبهات والمحاور، في حال رفضت المليشيا الحلول السياسية السلمية، وأصرت على مواقفها بالحصول على المزيد من المكاسب بدلا من تقديم تنازلات تمهد للحل السياسي الشامل.
وفي حال تم القضاء على الانقلاب الحوثي، فإن إيران ستصبح بلا أي حليف إقليمي يمكنها توظيفه في صراعها مع قوى إقليمية أو غيرها، وسينتهي نفوذها الإقليمي تماما، كون مليشيا الحوثيين هي الطرف الوحيد المتبقي من أذرعها في المنطقة، بعد انهيار حزب الله اللبناني، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وضغوط واشنطن لإضعاف المليشيا الشيعية في العراق.
وهكذا يتضح أن التطورات الأخيرة في جنوب اليمن تعد بمنزلة زلزال إقليمي أحدث تصدعات عميقة في العلاقات السعودية الإماراتية، ومهد لتقزيم النفوذ الإماراتي في الإقليم، وأثار مخاوف إيران والحوثيين من أن يشكل ذلك البداية لإنهاء الانقلاب الحوثي وطي صفحة النفوذ الإيراني في المنطقة، كما أحبط حلم الكيان الإسرائيلي بالتسلل إلى البوابة الجنوبية لمضيق باب المندب، وتحويل اليمن إلى ساحة اختبار لتوازنات جديدة.





