في خطوة تحمل أبعاداً إنسانية وسياسية معاً، أعلنت إندونيسيا استعدادها للمشاركة في قوة دولية لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، لكنها أحاطت هذه المشاركة بما يمكن وصفه بـ«دبلوماسية الخطوط الحمراء»، واضعة 12 شرطاً واضحاً يقيّد تحرك قواتها ويحدد طبيعة مهامها بدقة، في محاولة للموازنة بين دعمها التاريخي للقضية الفلسطينية وبين تعقيدات المشهد الدولي لما بعد الحرب.
وبحسب بيان مطول لوزارة الخارجية الإندونيسية، فإن أي مشاركة محتملة تخضع حصراً للقرار الوطني الإندونيسي، وتستند إلى ولاية قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر عام 2025، فضلاً عن التزام جاكرتا بسياسة خارجية مستقلة وفاعلة تقوم على مبادئ القانون الدولي وعدم الانحياز.
وفي هذا السياق، شددت الحكومة الإندونيسية على أن نطاق المهام سيكون «محدوداً ومحدد الضوابط»، وفق قيود وطنية صارمة وملزمة تم الاتفاق عليها مع قيادة قوة الاستقرار الدولية.
وفي تفصيل الشروط الحاكمة للمشاركة، أكدت جاكرتا أولاً أن ولايتها غير قتالية، وأنها لن تشارك في أي مهام تتعلق بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية، كما لن تنخرط في عمليات عسكرية أو مواجهات مباشرة مع أي طرف مسلح.
كذلك، أوضحت أن استخدام القوة سيكون محدوداً للغاية، ومحصوراً في حالات الدفاع عن النفس وحماية الولاية، وبشكل متناسب وتدريجي ووفق قواعد الاشتباك المتوافقة مع القانون الدولي.
وفي الإطار ذاته، أوضحت إندونيسيا أن مهام قواتها ستركز على الجوانب الإنسانية والاستقرارية، بما يشمل حماية المدنيين، وتقديم المساعدات الإنسانية والطبية، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار، إضافة إلى تدريب عناصر من الشرطة الفلسطينية وبناء قدراتها.
وأكدت أن انتشار القوات سيكون في نطاق جغرافي محدد داخل غزة، التي وصفتها بأنها جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية.
ومن ناحية سياسية، وضعت جاكرتا موافقة الفلسطينيين شرطاً أساسياً لأي انتشار، مؤكدة أنه لا يمكن تنفيذ المهمة دون موافقة السلطات الفلسطينية.
كما شددت على رفضها القاطع لأي محاولات لإحداث تغيير ديموغرافي أو فرض تهجير أو ترحيل قسري بحق الشعب الفلسطيني، مجددة تمسكها باحترام السيادة الفلسطينية وحق تقرير المصير.
وفي تأكيد إضافي على طبيعة الخطوط الحمراء، أعلنت إندونيسيا أنها تحتفظ بحق إنهاء مشاركتها في أي وقت إذا انحرف تنفيذ المهمة عن تحفظاتها الوطنية أو تعارض مع سياستها الخارجية. كما أكدت أن وجود قواتها ضمن القوة الدولية لا يعني بأي حال الاعتراف أو تطبيع العلاقات السياسية مع أي طرف، مشددة في الوقت نفسه على استمرار دعمها لحل الدولتين باعتباره المسار المتوافق مع القانون الدولي والمعايير الدولية.
بالتوازي مع ذلك، كشفت قيادة الجيش الإندونيسي عن جدول زمني أولي للاستعدادات، يتضمن فحوصات صحية وإجراءات إدارية تمهيداً لإرسال نحو ألف جندي في مطلع أبريل/نيسان 2026، على أن يكون ما يصل إلى ثمانية آلاف عنصر جاهزين للمغادرة بحلول نهاية يونيو/حزيران كحد أقصى. غير أن القيادة العسكرية استدركت بأن الخطة ما تزال بانتظار القرار السياسي النهائي من الرئيس الإندونيسي، في وقت كانت فيه تقديرات سابقة قد أشارت إلى احتمال رفع عدد القوات إلى نحو عشرين ألف جندي.
وفي سياق متصل، أكدت جاكرتا مشاركة الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو في الاجتماع الأول لما يُعرف بـ«مجلس السلام» المزمع عقده في الولايات المتحدة، في خطوة تعكس رغبة إندونيسيا في لعب دور فاعل في ترتيبات المرحلة المقبلة.
ووفق التصريحات الرسمية، سيواصل الرئيس الإندونيسي الدفاع عن مصالح فلسطين، ولا سيما فيما يتعلق بإعادة إعمار غزة ودعم نضال الشعب الفلسطيني.
على الجانب الفلسطيني، بدا الموقف مشروطاً وحذراً. فقد أعلن المتحدث باسم حركة حماس أن الحركة لا تعارض من حيث المبدأ وجود قوات دولية في قطاع غزة، شريطة أن تعمل كقوة عازلة على الحدود بين الأطراف، وألا تتدخل في الشؤون الفلسطينية المدنية أو الأمنية أو السياسية.
كما حذر من أن أي تدخل يتجاوز هذا الإطار سيجعل هذه القوات تُنظر إليها كبديل للاحتلال، مؤكداً أن الحفاظ على وقف إطلاق النار ومنع عودة الحرب يمثلان الأساس لأي قبول فلسطيني بوجود أجنبي.
وعليه، تبدو الخطوة الإندونيسية محاولة دقيقة لإعادة تعريف دورها في القضية الفلسطينية عبر أدوات إنسانية مشروطة سياسياً، في وقت يشهد فيه قطاع غزة ترتيبات دولية حساسة لمرحلة ما بعد الحرب.
وبين الالتزام المعلن بعدم القتال وعدم التطبيع، وبين الانخراط في قوة دولية متعددة الأطراف، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة «دبلوماسية الخطوط الحمراء» على الصمود أمام تعقيدات الميدان.
في المحصلة، تتحرك أكبر دولة إسلامية في العالم ضمن مساحة محسوبة بعناية، واضعةً اثني عشر شرطاً كإطار ناظم لمشاركتها في غزة، في محاولة للجمع بين الدعم الإنساني والحفاظ على الثوابت السياسية. غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرهوناً بطبيعة التفويض الدولي، وحدود المهمة على الأرض، ومدى احترامها للسيادة الفلسطينية في واقع لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.
المصادر: وكالات.







