واشنطن- متابعة الوعل اليمني
تكشف تقارير إعلامية أمريكية متطابقة عن توجه داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتعامل مع ما يسمى مجلس السلام كإطار دولي بديل للأمم المتحدة أو على الأقل كهيئة موازية تتجاوزها في إدارة النزاعات الدولية لا سيما في مرحلة ما بعد الحرب على غزة في خطوة تعكس تحولا عميقا في الرؤية الأمريكية لمنظومة الحوكمة الدولية وآليات حل الصراعات
وبحسب ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز عن مصدر مطلع فإن إدارة ترامب تنظر إلى مجلس السلام بوصفه أداة غير رسمية ذات نفوذ فعلي قادرة على تجاوز القيود البيروقراطية والسياسية التي تكبل عمل الأمم المتحدة مع توسيع نطاق صلاحياته ليشمل نزاعات خارج قطاع غزة وهو ما يضع المجلس في موقع تنافسي مباشر مع المنظمة الدولية التي تقود منذ عقود النظام المتعدد الأطراف
وتشير المعلومات إلى أن مجلس السلام سيجري تقديمه رسميا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الأسبوع المقبل في إطار حملة سياسية ودبلوماسية تهدف إلى حشد الدعم الدولي للنموذج الجديد رغم أن تفاصيل آليات عمل المجلس وهيكليته القانونية والتنفيذية لا تزال غامضة ما يثير تساؤلات حول طبيعة التفويض الذي يسعى ترامب إلى انتزاعه دوليا
ويأتي هذا التوجه في سياق قرار مجلس الأمن الذي أقر في منتصف نوفمبر 2025 دعما للخطة الشاملة التي طرحها ترامب لتسوية الوضع في قطاع غزة حيث حظي القرار بتأييد ثلاثة عشر عضوا من أصل خمسة عشر فيما امتنعت روسيا والصين عن التصويت في دلالة على انقسام دولي حاد حول مستقبل إدارة الصراع ودور الولايات المتحدة فيه
وتقوم الخطة الأمريكية على إنشاء إدارة دولية مؤقتة لقطاع غزة تتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية إلى جانب تشكيل مجلس السلام برئاسة ترامب ومنحه دورا مركزيا في الإشراف الاستراتيجي وحشد الموارد الدولية وضمان تنفيذ خارطة الطريق السياسية والأمنية والاقتصادية التي تتألف من عشرين بندا وتهدف وفق الرواية الأمريكية إلى تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار
كما تتضمن الخطة تفويضا أمنيا لقوات استقرار دولية يجري نشرها بالتنسيق مع إسرائيل ومصر دون الإفصاح حتى الآن عن طبيعة هذه القوات أو تركيبتها أو سقف مهامها ما يفتح الباب أمام مخاوف من فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد تعيد إنتاج السيطرة الخارجية على القطاع بصيغة جديدة
وتستبعد الخطة بشكل قاطع أي دور مباشر أو غير مباشر لحركة حماس في إدارة غزة مستقبلا وهو موقف يتقاطع مع تصريحات متكررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين أكدوا فيها عزمهم القضاء الكامل على الحركة سياسيا وعسكريا ما يعكس تطابقا واضحا بين الرؤية الأمريكية والإسرائيلية للمرحلة المقبلة
وفي بيان رسمي أصدره البيت الأبيض أعلن أن مجلس السلام في غزة سيضم شخصيات سياسية واقتصادية بارزة من بينها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في تركيبة تعكس مزجا بين النفوذ السياسي والخبرة الاقتصادية والعلاقات الدولية
وأوضح البيان أن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة يمثل خطوة محورية في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب حيث ستقود هذه اللجنة مرحلة استعادة الخدمات العامة وإعادة بناء المؤسسات المدنية وتثبيت الاستقرار اليومي في القطاع تمهيدا لحكم ذاتي مستدام على المدى الطويل بقيادة شخصية تكنوقراطية فلسطينية تحظى بقبول دولي
وأكد البيت الأبيض أن مجلس السلام سيتولى دورا محوريا في تنفيذ بنود الخطة كافة عبر الإشراف الاستراتيجي وتأمين التمويل الدولي وضمان المساءلة السياسية والإدارية مع الانتقال من حالة الصراع إلى مسار إعادة الإعمار والتنمية وهو ما يمنح المجلس ثقلا يتجاوز الطابع الاستشاري إلى ممارسة نفوذ فعلي على الأرض
ويضم المجلس التنفيذي التأسيسي لمجلس السلام عددا من الأسماء التي ستتولى حقائب محددة تشمل الحوكمة والعلاقات الإقليمية وإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات والتمويل واسع النطاق في إشارة إلى أن المشروع لا يقتصر على البعد السياسي والأمني بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل الاقتصاد في غزة وربطه بمنظومة استثمارات دولية
وفي المحصلة يعكس طرح مجلس السلام كمؤسسة بديلة أو موازية للأمم المتحدة توجها أمريكيا لإعادة صياغة النظام الدولي وفق مقاربة أحادية تقودها واشنطن وتمنحها قدرة أكبر على إدارة النزاعات بعيدا عن توازنات الشرعية الدولية التقليدية وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع على قواعد النظام العالمي ودور المؤسسات الأممية فيه







