غزة _ متابعة الوعل اليمني
تكشف قراءات وتحليلات متطابقة لكبار المعلقين والمحللين في الصحف الإسرائيلية الصادرة، الجمعة، أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لا يتعامل مع خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة بوصفها مسارًا نهائيًا لإنهاء الحرب، بل يراهن صراحة على فشل مرحلتها الثانية، ويعمل بالتوازي على تهيئة المناخين الداخلي والدولي لاستئناف الحرب وفتح الطريق أمام احتلال عسكري مباشر للقطاع.
وبحسب ما أورده محللون بارزون في صحيفتي «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت»، فإن نتنياهو يرى في تعثّر المساعي الأمريكية فرصة سياسية وعسكرية مزدوجة: أولًا، استعادة زمام المبادرة الميدانية، وثانيًا، تعزيز موقعه السياسي داخليًا عبر إرضاء اليمين المتطرف، وضمان بقائه في الحكم وتحسين فرصه في أي انتخابات مقبلة.
الضوء الأخضر
المعلق العسكري لصحيفة «هآرتس» عاموس هرئيل يؤكد أن السياسة الإسرائيلية الراهنة في قطاع غزة معلّقة عمليًا على أمل واحد، يتمثل في انهيار الجهود الأمريكية الرامية إلى فرض واقع أمني وسياسي جديد في القطاع خلال الأشهر المقبلة. ويرى هرئيل أن نتنياهو ينتظر اللحظة التي يمنحه فيها ترامب «الضوء الأخضر» لاستئناف العمل العسكري، ومحاولة استعادة السيطرة الكاملة على غزة.
ويشير هرئيل إلى أن اليمين الإسرائيلي يراهن، في حال فشل الخطة الأمريكية، على أن يتمكن الجيش من نزع سلاح حركة حماس فعليًا، ما يفتح الباب أمام تحقيق ما يُسمّى «الانتصار الكامل»، حتى وإن تأخر، لكنه يلفت إلى أن نتنياهو لن يسلك هذا المسار إلا إذا كان يخدم هدفه الأساسي المتمثل في البقاء في السلطة.
خلاف التفاصيل
وفق هرئيل، فإن جوهر الخلاف في المرحلة الثانية من خطة ترامب لن يكون حول المبدأ، بل حول التفاصيل. فإسرائيل قد تقبل بتسليم حماس للأسلحة الثقيلة، وعلى رأسها ما تبقى من ترسانتها الصاروخية، لكنها ستصطدم بخلاف حاد حول الأسلحة الخفيفة، مثل البنادق الهجومية، التي تعتبرها تهديدًا مباشرًا، حتى لو كانت بحوزة عناصر الشرطة المحلية.
ويضيف أن إسرائيل قد تتسامح مع حمل ضباط الشرطة التابعين لحماس مسدسات شخصية للدفاع عن النفس، لكنها ترى في بنادق الكلاشينكوف سلاحًا هجوميًا لا يمكن القبول به، في ضوء ما تصفه بـ«تجربة السابع من أكتوبر 2023».
ويكشف هرئيل أن الجيش الإسرائيلي أعد بالفعل خططًا عملياتية لاحتلال قطاع غزة في حال انهيار الاتفاق، إلا أن التوجيهات الحالية تقضي بانتظار فشل الخطة الأمريكية، تفاديًا لإثارة غضب واشنطن أو تحميل إسرائيل مسؤولية إفشال المسار السياسي.
حلم الحكم العسكري
من جهته، يستعرض المحلل السياسي في صحيفة «يديعوت أحرونوت» ناحوم برنياع ما يصفها بـ«التعقيدات الميدانية» التي تجعل نزع السلاح الكامل أمرًا شبه مستحيل. ويستشهد برنياع بعملية عسكرية إسرائيلية أخيرة في الخليل، قائلًا إن الصعوبات التي واجهها الجيش هناك تشكل نموذجًا مصغرًا لما قد يواجهه في غزة.
ويرى برنياع أن نتنياهو يأمل في امتناع حماس عن تسليم سلاحها طوعًا، لأن ذلك سيمنحه «شرعية» سياسية لتسويق فكرة فرض حكم عسكري إسرائيلي على القطاع، رغم تشكيكه في واقعية هذا الطموح، لا سيما أن حماس صمدت خلال عامين من حرب مدمّرة ولا تزال تسيطر فعليًا على المجتمع المحلي في غزة.
ويؤكد برنياع أن السيناريو الأكثر واقعية لنزع سلاح حماس لا يمر عبر القوة العسكرية، بل من خلال عزلها ماليًا، وإيجاد حكم بديل يحل محلها، حتى لو لم يُقرّ بذلك علنًا المبعوثان الأمريكيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.
في مقال آخر لـ«يديعوت أحرونوت»، يقول تساحي هنغبي، رئيس مجلس الأمن القومي السابق والمقرّب من نتنياهو، إن من مصلحة إسرائيل منح واشنطن «فترة اختبار سياسية»، مع الاستعداد الكامل للعودة إلى القتال في حال رفضت حماس التخلي عن سلاحها. ويعتبر هنغبي أن سيناريو استئناف الحرب هو «الأكثر ترجيحًا».
بناء رواية لتبرير الحرب
وتشير تقارير إذاعة الجيش الإسرائيلي إلى أن المؤسسة العسكرية بدأت فعليًا في بناء «رواية» إعلامية وسياسية تهدف إلى كسب الشرعية الداخلية والدولية لاستئناف الحرب. وترتكز هذه الرواية على جملة من المزاعم، أبرزها اتهام حماس بمواصلة تعزيز قدراتها العسكرية، والتربح من المساعدات الإنسانية، والادعاء بأن لجان التكنوقراط المقترحة ليست سوى غطاء لاستمرار حكم الحركة.
كما تسعى الحملة الدعائية إلى تصوير أدوار إقليمية، خاصة قطر وتركيا، على أنها تتعارض مع «المصالح الإسرائيلية»، في محاولة لتهيئة الرأي العام لتقبّل فكرة أن تدمير القدرات العسكرية والإدارية للفصائل الفلسطينية هو الخيار الوحيد المتبقي بعد فشل المسارات السياسية.
خطط عسكرية
وقبل يومين، نقلت القناة 14 الإسرائيلية عن مصادر عسكرية أن رئيس أركان الجيش إيال زامير صادق على خطة لهجوم واسع في مناطق من قطاع غزة لم تُنفَّذ فيها عمليات سابقة، ضمن مساعٍ معلنة لـ«هزيمة حماس» وفرض إشراف سياسي إسرائيلي مباشر على القطاع.
وبحسب القناة، تبحث المنظومة الأمنية ثلاثة سيناريوهات رئيسية: مسار سياسي يهدف إلى تفكيك حماس ضمن جدول زمني، وعملية عسكرية محدودة للضغط دون حسم شامل، أو حسم عسكري كامل يشمل احتلال غزة وفرض إدارة عسكرية إسرائيلية تمهيدًا لإدارة دولية لاحقة.
وتتزامن هذه السيناريوهات مع خلافات بين المستوى السياسي وقيادة الجيش حول توقيت ونقطة بدء أي عملية عسكرية واسعة، وقد حُسم الخلاف لصالح وزير الجيش، مع تعديل الخطة وفق ذلك، خصوصًا في ظل الادعاء بعدم وجود أسرى إسرائيليين في القطاع، ما يرفع القيود المفروضة على استخدام القوة.
مرحلة ثانية متنازع عليها
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت منتصف يناير/ كانون الثاني دخول المرحلة الثانية من خطة ترامب حيز التنفيذ، رغم مطالبة إسرائيل بتأجيلها. وتشمل هذه المرحلة إعادة فتح معبر رفح، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وانسحابًا إضافيًا للجيش الإسرائيلي، وبدء جهود إعادة الإعمار.
غير أن حكومة نتنياهو تحاول حصر المرحلة الثانية في بند واحد فقط هو نزع سلاح حماس، وتربط أي عملية إعادة إعمار باستكمال هذا الشرط، في حين تصر واشنطن على السير في جميع المسارات بالتوازي.
في المحصلة، تكشف هذه التحليلات أن نتنياهو وحكومته لا يراهنون على نجاح المسار السياسي بقدر ما يراهنون على انهياره، باعتباره المدخل الأنسب لاستئناف الحرب، وفرض وقائع جديدة بالقوة في قطاع غزة. وبين خطط عسكرية جاهزة، ورواية إعلامية قيد البناء، وانتظار إشارة أمريكية حاسمة، يبدو أن وقف إطلاق النار القائم ليس سوى هدنة هشة في حسابات حكومة الاحتلال، أكثر منه طريقًا فعليًا نحو إنهاء الحرب.







