هل يشرّع الاحتلال إعدام الأسرى الفلسطينيين داخل السجون باسم القانون؟
فلسطين – متابعة الوعل اليمني
تدخل قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي مرحلة بالغة الخطورة، مع تسارع الاستعدادات لتطبيق مشروع قانون عقوبة الإعدام بحقهم، بعد إقراره بالقراءة الأولى في الكنيست بدفع من أحزاب اليمين المتطرف. هذا التطور لا يُقرأ كإجراء قانوني عابر، بل كمؤشر على تحول جذري في تعامل الاحتلال مع ملف الأسرى، ينقلهم من إطار الاحتجاز والعقاب إلى دائرة التصفية الجسدية تحت غطاء تشريعي.
مشروع القانون، وفق صيغته المعلنة، يجيز إصدار أحكام الإعدام بحق الفلسطينيين في حال التسبب بمقتل إسرائيلي، سواء كان ذلك عمدًا أو دون قصد، في مقابل استثناء كامل للإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم مماثلة بحق الفلسطينيين. هذه الصياغة تكرّس طابعًا عنصريًا وانتقائيًا، وتشكّل انتهاكًا صريحًا لمبدأ المساواة أمام القانون، وللحق في الحياة المكفول بموجب القانون الدولي.
استعدادات ميدانية
كشفت القنوات العبرية، ولا سيما القناتين 12 و13، عن شروع مصلحة السجون الإسرائيلية في إعداد بنية تنفيذية كاملة لتطبيق القانون فور إقراره نهائيًا. وتشمل هذه الاستعدادات إنشاء مجمّع خاص لتنفيذ أحكام الإعدام، وبلورة بروتوكولات تشغيلية وقانونية، وتدريب طواقم مختارة على آليات التنفيذ، إلى جانب الاستفادة من تجارب دول تطبّق عقوبة الإعدام.
بحسب التسريبات، سيُنفذ الحكم شنقًا داخل مجمّع أُطلق عليه اسم “الممر الأخضر الإسرائيلي”، على أن يقوم ثلاثة حراس بالضغط على زر التنفيذ في الوقت نفسه، خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا من صدور القرار القضائي النهائي. كما أشارت التقارير إلى أن فرق التنفيذ ستُشكَّل على أساس التطوع، وسيخضع أفرادها لتدريبات خاصة.
مرحلة دموية
مكتب إعلام الأسرى حذّر من أن هذه الخطوات تمثل مدخلًا لمرحلة أكثر دموية في تاريخ الحركة الأسيرة، مؤكدًا أن تحويل السجون إلى ساحات إعدام رسمية يشكّل جريمة إبادة ممنهجة بحق الأسرى. وأوضح المكتب في بيان نشره اليوم، أن هذه السياسات تأتي ضمن سياق أوسع من القمع، يشمل الإهمال الطبي، والعزل الانفرادي، والتعذيب، والتجويع المتعمّد.
الباحث والأسير المحرر رامي أبو زبيدة اعتبر أن أخطر ما في القانون هو نقله قضية الأسرى من ملف تفاوضي وأمني إلى هدف مباشر للتصفية القانونية. وكشف أن مداولات لجنة الأمن القومي في الكنيست تجاوزت الجدل السياسي إلى بحث آليات التنفيذ العملية، بما في ذلك وسائل الإعدام، التي طُرحت بصيغ تقنية خالية من أي اعتبار إنساني.
وأشار أبو زبيدة لوسائل إعلام فلسطينية، إلى أن النقاش داخل اللجنة شمل خيارات متعددة، مثل الحقن بالسم، وقناع النيتروجين، والإعدام بالرصاص، وصولًا إلى الشنق الذي حظي بتفضيل واضح من مقدّمي مشروع القانون. ولفت إلى أن هذا التفضيل يحمل دلالات رمزية، باعتبار الشنق أداة ردع نفسي وجماعي تستهدف المجتمع الفلسطيني بأكمله، وليس الأسرى وحدهم.

ووفق أبو زبيدة، أبدى جهاز الشاباك دعمًا مبدئيًا لعقوبة الإعدام، مع المطالبة بإبقاء سلطة تقديرية للقضاة، في حين بقي موقف جهاز الموساد غير معلن، ما يفتح الباب أمام استخدام التقديرات الأمنية بشكل انتقائي. هذا التباين يعكس، بحسبه، خطورة تحويل حياة الأسرى إلى ملف إجرائي خاضع لمزاج المؤسسة الأمنية.
رفض دولي
في المقابل، أثار مشروع القانون رفضًا دوليًا متزايدًا، حيث دعا 12 خبيرًا من الأمم المتحدة إسرائيل إلى سحبه فورًا، مؤكدين أن تطبيقه في الأراضي المحتلة يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني. وشدد الخبراء على أن القانون العسكري الإسرائيلي ذاته مخالف للمواثيق الدولية، وأن تشريع الإعدام يفاقم هذه المخالفات.
الخبير القانوني الدكتور صلاح عبد العاطي وصف القانون بأنه تشريع باطل ومنعدم الأثر قانونيًا، معتبرًا إياه جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان. وأوضح أن القانون ينتهك اتفاقيات جنيف، ولا سيما الثالثة والرابعة، ويشرعن المحاكمات العسكرية غير العادلة، ويقوّض بشكل مباشر الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.
عقاب جماعي
وأكد عبد العاطي أن القانون يشكّل سياسة عقاب جماعي تستهدف الأسرى بسبب انتمائهم الوطني والسياسي، ويُستخدم كأداة ردع جماعي بحق الشعب الفلسطيني، في مخالفة صريحة لمبدأ شخصية العقوبة. كما حذّر من أن تطبيقه سيؤدي إلى تصعيد التعذيب، واحتجاز الجثامين، وإلحاق أذى نفسي طويل الأمد بعائلات الأسرى.
نادي الأسير الفلسطيني اعتبر أن الإعدام يمثّل ذروة الإبادة المستمرة بحق الأسرى، في ظل تراجع الحماية القانونية الدولية، وتواطؤ المجتمع الدولي بالصمت أو العجز. وأكد النادي أن ما يجري هو محاولة لشرعنة الانتقام، وتحويل السجون إلى حيّز للتعذيب والإعدام البطيء.
في ضوء هذه التطورات، يرى مراقبون وحقوقيون أن قانون إعدام الأسرى لا يُعد تشريعًا داخليًا عاديًا، بل إعلان مواجهة مفتوحة مع القانون الدولي، واختبارًا حقيقيًا لمصداقية المؤسسات الدولية. ويؤكدون أن أي صمت إزاء هذا المسار سيُفسَّر كضوء أخضر لمزيد من الجرائم بحق الأسرى الفلسطينيين، ما يستدعي تحركًا وطنيًا وحقوقيًا وإعلاميًا عاجلًا لوقفه قبل دخوله حيّز التنفيذ.








