المرحلة الثانية من اتفاق غزة: الانتقال من وقف النار إلى مسار سياسي وأمني معقد

غزة – الوعل اليمني

أعلن المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف أمس الأربعاء، بدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الصراع في قطاع غزة، وهي مرحلة وصفها المسؤولون بأنها الأكثر تعقيدًا منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي. وتمثل هذه المرحلة انتقالًا من منطق التهدئة المؤقتة إلى ملفات أوسع تشمل الإدارة المدنية التكنوقراطية، نزع السلاح، وإعادة الإعمار الشامل للقطاع، وسط تحديات أمنية وسياسية معقدة.

بنود المرحلة الثانية
بحسب ما أعلنت المصادر، تقوم المرحلة الثانية على مجموعة من الإجراءات الأساسية التي تهدف إلى استقرار القطاع الفلسطيني وتحقيق تقدم ملموس في إعادة الحياة الطبيعية لسكانه. وتشمل هذه الإجراءات انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجيًا إلى “الخط الأحمر” شرق غزة لتقتصر سيطرة الاحتلال على نحو 20 بالمئة من مساحة القطاع، مع التأكيد على حظر أي احتلال دائم أو ضم للأراضي الفلسطينية.
ويُشترط لتحقيق هذا الانسحاب إحراز تقدم كامل في نزع سلاح حركة حماس، وهو ما ترفض إسرائيل المضي فيه قبل التأكد من الالتزام الكامل بالتزاماتها الأمنية.
كما تتضمن المرحلة إنشاء إدارة فلسطينية انتقالية ذات طابع تكنوقراطي تتولى الإشراف على شؤون الحياة المدنية وإدارة إعادة الإعمار، بما في ذلك إزالة الركام وبناء مساكن للنازحين، الذين يعيش كثير منهم في خيام مؤقتة وسط الأنقاض.
ويشكل نزع السلاح الكامل لجميع الجهات غير المخوّلة رسميًا، بما في ذلك الفصائل المسلحة في القطاع، شرطًا أساسيًا للتقدم في تنفيذ هذه المرحلة، إذ يرتبط أي تقدم في إعادة الإعمار بتحقيق هذا الشرط.
وتشمل الخطة أيضًا إنشاء مجلس سلام يشرف على تنفيذ خطة ترامب، مع تشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار، تضم دولًا محتملة مثل إيطاليا وباكستان وبنغلاديش وأذربيجان، لدعم إدارة المرحلة الثانية وضمان سلامة المدنيين.

التحديات الإسرائيلية
رغم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية، تصر إسرائيل على ربط أي انسحاب من الخط الأصفر شرق غزة بتحقيق تقدم ملموس في نزع سلاح حماس. ويصعب تنفيذ الانسحاب قبل التأكد من التزام الفصائل الفلسطينية بتسليم جميع أسلحتها، وهو ما يعقد مسار المرحلة الثانية.

ويترافق هذا الموقف مع استمرار إسرائيل في استخدام معبر رفح البري كورقة ضغط، حيث ربطت فتح المعبر باستعادة جثمان آخر أسير إسرائيلي محتجز في غزة، وهو راسم ران غويلي، ما يمثل أحد أبرز العقبات أمام تقدم المرحلة الانتقالية.

وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى استعداد الجيش للتدخل عسكريًا إذا لم يتم الالتزام بهذه الشروط، ما يعكس طبيعة المرحلة الثانية كاختبار للتوازن بين الأمن والسيادة الفلسطينية والضغط الإسرائيلي.

الدور الأمريكي والوساطة الدولية
أكد المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أن الولايات المتحدة تتوقع التزامًا كاملًا من حركة حماس بجميع التزاماتها، بما في ذلك الإفراج الفوري عن آخر رهينة محتجزة في غزة، محذرًا من أن أي إخلال بهذه الالتزامات سيؤدي إلى عواقب وخيمة، دون التطرق إلى طبيعة هذه العواقب.

وأشاد ويتكوف بالدور الذي قامت به مصر وقطر وتركيا كوسطاء رئيسيين، معتبرًا جهودهم ضرورية لتحقيق أي تقدم ملموس، وممهّدة الطريق لإعادة الإعمار وإدارة الشؤون المدنية في غزة. كما أعلنت واشنطن عن انخراطها في محادثات مع حركة حماس حول نزع السلاح وإمكانية تقديم برنامج للعفو، بالتوازي مع التنسيق مع إسرائيل لضمان استقرار المرحلة الانتقالية، ما يعكس اعتماد الإدارة الأمريكية على الوساطة الإقليمية لضمان تنفيذ الخطة.

من جانبها، أعلنت حركة حماس التزامها باتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة استعدادها لتسليم الجثمان الأخير، واتهمت إسرائيل بعرقلة تنفيذ الاتفاق من خلال استمرار إغلاق المعابر وربط الانسحاب بشروط إضافية.

التعقيدات الإنسانية والسياسية
تواجه المرحلة الثانية تحديات متعددة، إذ تتداخل الملفات الإنسانية والسياسية مع المخاوف الأمنية الإسرائيلية. فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية لا يزال معلقًا بسبب المماطلة الإسرائيلية، بينما تحرص الفصائل الفلسطينية على ضمان انسحاب الجيش الإسرائيلي بالكامل وبدء عملية إعادة الإعمار بشكل عاجل.
ويطرح نزع السلاح كشرط مسبق لإعادة الإعمار، ما يجعل العملية السياسية والإغاثية مرتبطة بجدول زمني مشروط ويزيد من تعقيد تحقيق استقرار طويل الأمد.
ويشير محللون إلى أن اعتماد نموذج إدارة تكنوقراطي منزوع الصلاحيات السياسية قد يوفر استقرارًا هشًا دون معالجة جذور الصراع أو الحقوق الوطنية الفلسطينية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المرحلة الثانية على تحقيق استقرار دائم دون وجود أفق سياسي واضح.

الموقف الفلسطيني
رحبت الفصائل الفلسطينية بتشكيل الإدارة التكنوقراطية، مؤكدة دعمها للعملية الانتقالية، وداعية الوسطاء إلى الضغط على إسرائيل لوقف العدوان، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، وضمان انسحاب الجيش من القطاع. وأوضح المسؤولون الفلسطينيون أن المرحلة الثانية تمثل فرصة لتثبيت التهدئة، لكنها مرتبطة بتحقيق الالتزامات كافة لضمان نجاحها.

تمثل المرحلة الثانية من اتفاق غزة تحولًا واضحًا في مسار التسوية من وقف إطلاق النار إلى مسار سياسي وأمني معقد يشمل الإدارة المدنية، نزع السلاح، وإعادة الإعمار الشامل. ومع ذلك، يبقى التنفيذ مرهونًا بتوافق دولي وإقليمي وامتثال الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية، ما يجعل نجاح المرحلة الثانية رهينًا بالتوازن بين الضغط السياسي والأمني والاحتياجات الإنسانية العاجلة، وسط تحديات مستمرة على الأرض تجعل من المرحلة اختبارًا دقيقًا لإمكانية تحقيق استقرار طويل الأمد في قطاع غزة.

Exit mobile version