
تقرير خاص
بعد إعادة فتح الطريق الرئيسي الرابط بين صنعاء وعدن طريق مريس— دمت بعد خمسة اعوم من الإنقطاع في نهاية مايو من العام الماضي، عقب اتفاق بين طرفي الصراع في محافظة الضالع، عاد هذا الشريان الحيوي ليربط المحافظات الشمالية بالجنوبية، ما أدى إلى تدفق مروري كثيف وغير مسبوق، خصوصًا من الشاحنات الثقيلة القادمة من ميناء عدن.
هذا الزخم المروري، ورغم أهميته الاقتصادية، تسبب في اختناقات متكررة في عدد من المناطق، خاصة في الأسواق والمرتفعات، إلا أن مديرية دمت برزت بوصفها النقطة الأكثر تضررًا، نتيجة مرور القاطرات داخلها أو التفافها عبر الطريق الدائري غير المعبد غرب المدينة، والذي تحول منذ اليوم الأول لفتح الخط إلى محور أزمة متصاعدة.
ويمر الطريق الدائري وسط أحياء سكنية متفرعة، ويقطنه عدد كبير من السكان الذين يشكون بشكل يومي من الأضرار التي لحقت بهم، وعلى رأسها الغبار الكثيف المتطاير بفعل حركة الشاحنات المستمرة، ما يجعلهم، بحسب وصفهم، يعيشون في بيئة ملوثة ومثقلة بالأتربة.
ومع تزايد الضغط المروري، اضطر سائقو الشاحنات الثقيلة إلى استخدام هذا المسار لتجنب الازدحام داخل المدينة، غير أن عدم تعبيده ضاعف من معاناة السكان والسائقين على حد سواء، في ظل غياب أي معالجة فعلية من الجهات المعنية.
مطالبة واسعة
ومنذ إعادة فتح الطريق، تعالت أصوات المطالبة بسرعة تعبيد الطريق الدائري، باعتباره مشروعًا استراتيجيًا للمدينة، من شأنه أن يخفف الاختناقات ويحد من الأضرار البيئية ويقلل من الحوادث. إلا أن هذه المطالب – وفق ناشطين على ملتقى أبناء دمت على فيسبوك – لم تلقَ استجابة حقيقية، واقتصرت على وعود متكررة دون تنفيذ. ويؤكد ناشطون أن الطريق الدائري أصبح ضرورة ملحة، وليس مجرد مشروع خدمي، نظرًا لما يسببه من أضرار مباشرة للسكان والمارة.
وفي هذا السياق، برزت أصوات محلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بتحرك جماعي للضغط على السلطات. ومن بين تلك الأصوات، الناشط نجيب الغرباني الذي نشر عدة منشورات قديمة وحديثة يدعو فيها إلى تعبيد الطريق من إيرادات الضرائب المحلية، معتبرًا أن ذلك “حق من حقوق المواطنين وليس فضلًا من أحد”، ومشيرًا إلى ما وصفه بالفساد وسوء إدارة الموارد.
كما دعا منذ البداية إلى إطلاق حملة إلكترونية، ومطالبة السكان القاطنين بجوار الطريق بتوثيق الأضرار عبر مقاطع فيديو ونشرها، بهدف إيصال صوتهم إلى الجهات المعنية، وقد تجاوب بدورهم السكان بذلك وشاركوا فيديوهات توضح حجم الضرر التي تخلفه مرار الشاحنات وغيرها من المركبات عبرالدائري..
من جهته، يقول أحد السكان، الذي فضّل استخدام اسم مستعار “صالح مسعد”، إن العمل في الطريق لم يتجاوز حفر خطوط الصرف الصحي خلال شهر رمضان، وهو ما زاد من تضييق المسار بدلًا من تحسينه، مؤكدًا أن الشاحنات تتكدس لساعات طويلة بسبب ضيق الطريق، وأن السكان يعانون من الغبار والازدحام ومخاطر المرور بشكل يومي.
وأضاف أن الجهات المحلية وعدت ببدء أعمال السفلتة، إلا أن العمل توقف بشكل مفاجئ دون توضيح، تاركًا السكان في مواجهة وضع أكثر صعوبة.
إغتصاب الأرض للجمارك
ومع استمرار الأزمة، تصاعدت حالة الغضب بين الناشطين وأبناء دمت، خاصة بعد إنشاء نقطة جمركية كبيرة في على مدخل المدينة الجنوبي للبضائع القادمة من عدن، حيث يرى كثيرون أن المديرية لا تستفيد من عائدات هذه الجمارك، التي – بحسب قولهم – تُحول إلى خارجها، بينما تبقى المدينة محرومة من أبسط الخدمات. وقد أثار هذا الملف جدلًا واسعًا، خصوصًا مع اتهامات بوجود تجاوزات في استخدام الأراضي المخصصة للنقطة الجمركية.
وفي هذا الإطار، اندلعت خلافات بعد قيام سلطات الأمر الواقع بالبسط على أراضٍ في منطقة خاب خارج مدينة دمت، لاستخدامها كموقع للجمارك، بدعوى أنها تتبع الأوقاف، وهو ما رفضه ملاك الأراضي.
وأوضح المحامي عبدالجليل الغرباني، حين ذاك في منشور له بعد اطلاعه على القضية، أن ما جرى يمثل تعديًا على حقوق الملاك وتغييرًا لمعالم الأرض، مشيرًا إلى أن النزاع حول ملكيتها قديم، وأن هناك أحكامًا قضائية سابقة تحدد تبعيتها، إلا أن العمل استمر تحت حماية أمنية، ما حال دون تمكن الملاك من الدفاع عن ممتلكاتهم، ودفعهم إلى مناشدة الجهات العليا للتدخل وإنصافهم.
إيرادات دمت
وفي سياق متصل، يطرح ناشطون تساؤلات متكررة حول مصير إيرادات دمت من الضرائب والجمارك والزكاة وغيرها، خاصة في ظل اعتماد السلطات على ما يُعرف بـ”المساهمة المجتمعية” لتنفيذ معظم المشاريع الخدمية. ويشير الناشط مجيب البسارة إلى أن عدة مشاريع في المدينة، مثل شارع عامر، وخط دمت القديمة، وتوسعة الطرق، ومشاريع الصرف الصحي، تم تنفيذها بتمويل مجتمعي، متسائلًا عن دور الدولة في ظل وجود موارد مالية يفترض أن تُخصص لهذه الخدمات.
كما عبّر ناشطون آخرون، بينهم صقر الجبلي وفهد العولقي، عن استيائهم من عدم توجيه عائدات الجمارك لتعبيد الطرق، خصوصًا الطريق الدائري، الذي يعد الأكثر إلحاحًا، مشيرين إلى أن جزءًا بسيطًا من هذه الإيرادات كفيل بإنهاء معاناة السكان خلال فترة قصيرة. واعتبروا أن استمرار الوضع الحالي يعكس خللًا في إدارة الموارد، ويدفع المواطنين لتحمل أعباء إضافية رغم محدودية إمكانياتهم.
حوادث متكررة
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند هذا الحد، إذ يشهد الطريق الدائري حوادث متكررة نتيجة وعورته وعدم تأهيله، حيث تنقلب الشاحنات بين الحين والآخر، مسببة حالة من القلق لدى السكان، خاصة مع مرورها بالقرب من الأحياء السكنية. وقد شهدت الأيام الماضية حادثة انقلاب قاطرة محملة، أعادت تسليط الضوء على خطورة الطريق، في ظل استمرار تجاهل المطالبات بإصلاحه.
وفي جانب آخر من المعاناة، يواجه سائقو الشاحنات أعباء إضافية بسبب الإجراءات الجمركية، حيث يتم إجبار الشاحنات الواصلة إلى دمت على التوجه إلى ذمار لاستكمال إجراءات الترسيم، قبل العودة مجددًا إلى دمت لتفريغ حمولتها، ما يضاعف التكاليف والوقت والجهد.
ويؤكد متضررون أن هذا الإجراء غير منطقي، ويؤدي إلى ارتفاع أجور النقل، ما ينعكس بدوره على أسعار السلع.
ويطالب سائقون وتجار بإنشاء منفذ جمركي رسمي في دمت لتسهيل الإجراءات وتقليل الأعباء، خاصة مع أهمية المدينة كممر رئيسي للبضائع بين الشمال والجنوب.
وفي ظل كل هذه التحديات، يرى السكان أن تعبيد الطريق الدائري يمثل خطوة أساسية لمعالجة جزء كبير من الأزمة، سواء من حيث تخفيف الازدحام، أو الحد من الأضرار البيئية، أو تقليل الحوادث.
ورغم الوعود التي أُطلقت في فترات سابقة، لا تزال الأعمال متوقفة، فيما تتواصل معاناة السكان بشكل يومي، وسط مطالبات متجددة بتحرك عاجل يضع حدًا لهذه الأزمة المستمرة منذ أكثر من عام.






