بقلم :د. علي العسلي
في اليمن، يبدو أن الزمن العسكري لا يُقاس بالساعات ولا بالأيام، بل ببيانات “الصدّ”. بيانٌ يأتي، وآخر يتبعه، وثالثٌ يُعيد صياغة الأول… والنتيجة واحدة: تم كسر الهجوم… لكن لم نكسر نحن هذا الجمود الممتد منذ سنوات.
بينما كان الشهيد الحافظ محمد هائل عمران يترجل بصمت الكبار في جبهة مأرب، الحارس الأمين للجمهورية، تاركًا خلفه أثرًا من نورٍ في قلوب طلابه، كما جاء في مرثية الدكتور الشيخ محمد عيضة شبيبة له، كانت جبهة “الصلو” في تعز تعيد إنتاج المشهد ذاته بالتزامن: هجومٌ حوثي… صدٌّ بطولي… شهداء… ثم صمت. دائرة مغلقة، يدفع ثمنها أولئك الذين لا يكتبون البيانات… بل يُكتبون فيها.
المشكلة ليست في “الصدّ”؛ فالصدّ شرف حين يكون خطوة ضمن مسار، لكن المأساة حين يتحول إلى استراتيجية كاملة، وإلى سقف طموح، وإلى إنجاز يُحتفى به وكأنه فتحٌ مبين، وهو في الحقيقة استنزاف بطيء لجنودنا الميامين الذين نفقد فيهم خيرة رجالنا وعلمائنا.
نسأل—بشيء من المرارة، وكثير من السخرية—: متى سنسمع بيانًا مختلفًا؟ بيانًا يبدأ بـ: “نفذت قوات الجيش الوطني عملية نوعية…” بدلًا من: “تمكنت قواتنا من صدّ…”.
إن الانتقال من “صُدَّ” إلى “نُفِّذ” ليس ضرباً من المستحيل، بل هو قرار يبدأ بـ توحيد البوصلة العسكرية؛ فالبندقية التي تتردد بين ولاءات متعددة لا تصنع نصراً. الحل يكمن في صهر كافة التشكيلات العسكرية تحت غرفة عمليات مركزية واحدة، تنهي حالة “الجزر المنعزلة”، وتجعل من كل جبهة شرارة تشعل الأخرى. فحين يتمادى الخصم في مأرب أو تعز أو كلتيهما، يجب أن يجد جحيم المبادرة يفتحه الجيش الوطني والمقاومة في الجوف والحديدة وصعدة وحجة والضالع والبيضاء في آن واحد، ليعلم أن الأرض لم تعد مستباحة لخياراته المنفردة، وأن زمن الاستفراد بالجبهات قد ولى.
متى تتحول المبادرة من يد الخصم إلى يد الدولة؟ متى يصبح الفعل سابقًا للرد، بدل أن نظل أسرى توقيت يحدده الآخر؟ الأعجب من ذلك، أن خطاب “ساعة الصفر” لم يغب… لكنه أيضًا لم يحضر. نسمعه منذ سنوات، لكن ساعة الصفر—يبدو—تعاني من عطلٍ مزمن في عقاربها.
أما “غرفة العمليات المشتركة”، و”القيادة الموحدة”، و”جاهزية الحسم”… فهي مفرداتٌ أنيقة تصلح للنشرات، لكنها لا تصل إلى الجبهات إلا على هيئة معنويات مؤجلة.
في المقابل، لا يبدو الحوثي مرتبكًا؛ هو يهاجم حين يشاء، ويصعّد حين يريد، وكأنه يقول بوضوح فجّ: أنا من يحدد متى تبدأ المعركة ومتى تنتهي.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: دولةٌ تمتلك الشرعية والحق… لكنها تنتظر، ومليشيا تفتقدهما… لكنها تبادر.
ليس المطلوب تهورًا، بل المطلوب ببساطة: خطة واضحة، إرادة حقيقية، وزمن سياسي وعسكري لا يُدار بردود الأفعال. لأن الاستمرار في هذا النمط يعني شيئاً واحداً: المزيد من بيانات “الصدّ”… والمزيد من قوائم الشهداء النبلاء. لقد أصبحنا نُجيد إعلان الخسارة بطريقةٍ بطولية، لكننا لا نُجيد صناعة النصر بطريقةٍ عملية.
رحم الله الشهداء كأمثال محمد هائل عمران، وشهداء تعز الحديثين، لكن الأوطان لا تُبنى بكثرة الشهداء وحدها، بل بقراراتٍ تحمي الأحياء وتصنع المستقبل أيضاً. فإلى متى سنظل نُتقن “الصدّ”… ونعجز عن قول: نُفِّذ؟
قراءة في جردة حساب السنوات الأربع (أبريل 2022 – أبريل 2026)
بين نتنياهو وجنكيز خان.. هكذا يطغى منطق الإبادة وأوهام العظمة الزائفة
تعز.. حين تقرأ الجغرافيا بعيون الثورة والمقاومة
الأقليات لا تُسقط أنظمة… تُسقط دولاً