
في أروقة واشنطن، ومراكز الأبحاث الممتدة على طول شارع “كيه”، ربما لم تكن كلمة “العجز” هي التوصيف الدقيق لما تواجهه الإدارة الأمريكية أمام التهديدات في مياه الخليج؛ بل الكلمة الأصح والأكثر إثارة للقلق هي “اليأس”. عندما تقف القوة العظمى الأولى في العالم أمام ممر مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 21 ميلا، لتكتشف أن أساطيلها وحاملات طائراتها لا تكفي لضمان تدفق النفط، فإن اليأس الاستراتيجي يصبح هو الشعور السائد.
نحن أمام لحظة كاشفة في تاريخ الصراعات. المأزق الذي دخلت فيه الولايات المتحدة، وتحديدا في ظل عقيدة فريق “أمريكا ترمب”، لا ينبع من نقص في العتاد، بل من سوء فهم عميق لطبيعة الحروب الحديثة. لقد بنيت العقيدة العسكرية الأمريكية لعقود على مفهوم “التفوق النيراني” والردع بالقوة الخشنة، لكن ما يجري حول مضيق هرمز يثبت أن الحروب في القرن الحادي والعشرين لا تحسم بالنار فقط.
فخ القوة المفرطة
يعتمد فريق ترمب في مقاربته للأزمات على استعراض القوة الكاسحة، وهو ما يظهر جليا في سياسات “الضغوط القصوى” وتحريك القطع البحرية العملاقة. لكن هذا النهج يواجه جدارا من الواقعية الجيوسياسية في مضيق هرمز. الخصم هناك لا يحتاج إلى أسطول مواز لإغلاق المضيق أو حتى تعطيله؛ يكفي نشر بضعة ألغام بحرية، أو إطلاق أسراب من الزوارق السريعة، أو استخدام طائرات مسيرة انتحارية منخفضة التكلفة لخلق حالة من الشلل التام.
هنا يتجلى المأزق: كيف يمكن لمطرقة عملاقة (الترسانة الأمريكية) أن تضرب سحابة من البعوض (التكتيكات غير المتماثلة)؟ إن محاولة فتح المضيق بالقوة العسكرية البحتة قد تؤدي إلى إشعال حرب إقليمية شاملة، وهو ما سيؤدي فورا إلى توقف الملاحة وانهيار أسواق الطاقة العالمية، وهو بالضبط السيناريو الذي تحاول واشنطن تجنبه. إنه تناقض قاتل؛ استخدام القوة لحماية الاقتصاد قد يؤدي إلى تدميره.
يأتي “اليأس” الاستراتيجي من إدراك المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية أن أدواتها التقليدية باتت غير فعالة، وأن تحديث العقيدة العسكرية يحتاج إلى وقت أطول بكثير من سرعة تطور تكتيكات الخصوم
أن لا تعرف أنك لا تعرف
الجانب الأكثر خطورة في هذا المأزق هو أزمة “العمى الاستراتيجي”. في الحروب الحديثة، القدرة على التأثير، وتحويل مسار السردية، واستغلال الثغرات السيبرانية، وتوظيف الوكلاء، تفوق في أهميتها القدرة على إطلاق صواريخ توماهوك. ويبدو أن الفريق الذي يدير دفة الاستراتيجية في هذا السياق يعاني من إحدى حالتين: إما أنه “لا يعرف” قواعد اللعبة الجديدة، أو الأسوأ من ذلك، أنه “لا يعرف أنه لا يعرف”.
هذا الجهل المركب يقود إلى قرارات منفصلة عن الواقع. فالاعتماد على مستشارين ينظرون إلى العالم بعيون حروب القرن العشرين يجعل الإدارة الأمريكية تتوقع استسلاما تقليديا بناء على توازن القوى المادية. لكن الخصم يدرك أن أمريكا حساسة جدا تجاه الخسائر البشرية والتداعيات الاقتصادية، ولذلك ينقل المعركة من ساحة “الاشتباك المباشر” إلى ساحة “حافة الهاوية” والابتزاز الاقتصادي المدروس.
اليأس كحالة استراتيجية
يأتي “اليأس” الاستراتيجي من إدراك المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية أن أدواتها التقليدية باتت غير فعالة، وأن تحديث العقيدة العسكرية يحتاج إلى وقت أطول بكثير من سرعة تطور تكتيكات الخصوم. أمريكا ليست عاجزة عن تدمير السواحل المقابلة، لكنها يائسة من إيجاد حل يفتح المضيق دون أن يدفع العالم بأسره فاتورة كارثية.
في النهاية، ما نشهده اليوم حول مضيق هرمز هو درس قاس في حدود القوة. إن النجاح في الحروب المعاصرة يتطلب مرونة استراتيجية، وعمقا استخباراتيا، وقدرة على قراءة المتغيرات السياسية والاقتصادية المعقدة. وبدون هذه الأدوات، ستظل أي إدارة أمريكية تقف أمام مياه الخليج، مدججة بأقوى أسلحة الأرض، لكنها مكبلة بيأس استراتيجي لا مخرج منه.

محمدبن سلمان يفاجئ الجميع.. ويفلت من فخ ترمب !!
مقامرة “حافة الهاوية”: هل تبتلع إيران الطموحات الإسرائيلية الأمريكية أم تكسرها؟
بين “التورط” و”التوريط”.. 4 سيناريوهات تضع تركيا على حافة المواجهة في الحرب الإيرانية الأمريكية
عندما يربى الأطفال لقرايبين تأكلها النار ..!!