خاص
في حي شعبي من أحياء صنعاء، حين تتعطل حياة أسرة فجأة بسبب مرض أو دين أو خلاف، لا يتجه الناس إلى مكتب حكومي ولا إلى جهة رسمية، بل يسألون عن امرأة بعينها. اسمها يتردد بهدوء بين الجيران. لا ترفع صوتها ولا تحمل صفة، لكنها تعرف كيف تطفأ الأزمات قبل أن تتحول إلى كوارث. هذا الدور الذي تقوم به نساء كثيرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يظهر في الأخبار ولا في تقارير المنظمات، لكنه حاضر بقوة في حياة الناس اليومية.
النساء هنا لم يعدن فقط أمهات أو زوجات أو معيلات بالمعنى الاقتصادي الضيق، بل أصبحن مديرات لأزمات صغيرة ومتراكمة، يتعاملن مع المال والنزاع والمرض والاحتياج بحكمة فرضها الواقع لا التعليم ولا التدريب. هذا التحقيق يتتبع هذا التحول الصامت، ويبحث في كيف خرجت النساء من صورة الضحية وحدها، إلى دور الفاعل الذي يحمل المجتمع على كتفيه، دون أن يعترف به
غياب شامل
منذ سنوات، تعيش مناطق واسعة في اليمن حالة فراغ مؤسسي واضح. الرواتب توقفت، الخدمات تراجعت، القضاء غاب أو أصبح معقدا، والناس تُركوا لمواجهة مصيرهم وحدهم. في هذا الفراغ، لم يكن أمام المجتمع إلا أن يعيد تنظيم نفسه بوسائله الخاصة. ومع تراجع أدوار كثير من الرجال بسبب الحرب أو البطالة أو الخوف من الاستهداف، تقدمت النساء خطوة إلى الأمام، ليس بدافع التحدي، بل لأن الحياة لا تنتظر.
في حديث مع نساء من صنعاء وعمران وذمار، تكررت الفكرة نفسها بصيغ مختلفة. لم يكن هناك خيار آخر. إما أن تدار الأزمة أو ينهار البيت. ومع الوقت، لم تعد المسألة مجرد تكيّف مؤقت، بل تحولت إلى نمط حياة جديد، فيه المرأة هي من تقرر وتوازن وتفاوض وتتحمل العواقب.
إعالة جديدة
الإعالة في اليمن لم تعد تعني فقط توفير الطعام والشراب. كثير من النساء أصبحن مسؤولات عن إدارة الديون، ترتيب الأولويات، اتخاذ قرارات صعبة تخص التعليم والعلاج والزواج. تقول أم أحمد، وهي موظفة سابقة لم تتسلم راتبها منذ سنوات، إن المشكلة ليست في قلة المال فقط، بل في كيفية توزيعه بين حاجات لا تنتهي.
تشرح كيف تجلس في نهاية كل شهر لتقرر أي دين يُسدّد وأي دواء يشترى وأي طفل يستمر في الدراسة وأيهم ينتظر. هذه القرارات، التي كانت تتخذ سابقًا داخل الأسرة بشكل جماعي أو بيد الرجل، أصبحت اليوم في يد النساء، وغالبا دون دعم أو مشاركة حقيقية ,هذا التحول خلق شكلا جديدا من السلطة داخل البيت، لكنه سلطة مرهقة، لا تشبه الصورة الرومانسية للتمكين، بل أقرب إلى إدارة طوارئ مستمرة.
مال صامت
في ظل غياب البنوك وصعوبة الوصول إلى القروض الرسمية، ظهرت شبكات إقراض صغيرة تقودها نساء. مبالغ بسيطة تُعطى لجارة أو قريبة أو صديقة، بلا أوراق ولا فوائد معلنة. تقوم هذه الشبكات على الثقة والمعرفة الشخصية، وعلى فهم عميق لظروف الناس.
تقول سعاد من ذمار “لموقع الوعل اليمني” إنها بدأت بإقراض مبلغ صغير لجارة مريضة، ثم طلبت أخرى، ثم ثالثة. مع الوقت، أصبح الناس يعرفون أنها تساعد قدر استطاعتها. لا تعتبر نفسها تاجرة ولا صاحبة فضل، لكنها ترى أن المال إن بقي معها وحدها فلن ينقذ أحدا، هذا الشكل من الاقتصاد غير المرئي لعب دورا مهمًا في منع انهيار كثير من الأسر. النساء هنا لا يمنحن المال فقط، بل يمنحن وقتا للتنفس، ومساحة لتجاوز الأزمة دون إذلال أو خوف.
وساطة يومية
في بيئة مشحونة بالسلاح والضغط، قد يتحول خلاف بسيط إلى مشكلة كبيرة. كثير من النساء يقمن بدور الوسيط الاجتماعي، خاصة في النزاعات العائلية أو بين الجيران. هذا الدور يتطلب شجاعة وحكمة، لأن أي خطأ قد يؤدي إلى تدخل جهات نافذة أو تصعيد خطير، تقول خديجة من صنعاء إن تدخلها في الخلافات ليس بدافع الإصلاح المجرد، بل لحماية الناس من العواقب. حين يصل الخلاف إلى الجهات الأمنية، يصبح خارج السيطرة. لذلك تحاول حل الأمور داخل الحي، بالكلام والتهدئة واستدعاء العقل ,وجود امرأة كوسيط يجعل الأمر أسهل في كثير من الأحيان. الناس يميلون إلى سماعها، ولا يُنظر إليها كطرف مهدد. هذا الدور، رغم أهميته، يبقى غير معترف به، ويُمارس في صمت.
أدوار مركبة
المرأة التي تدير أزمة ليست فقط معيلة أو مقرضة أو وسيطة. في كثير من الأحيان، تجمع كل هذه الأدوار في وقت واحد. تُدير بيتها، تساعد غيرها، تحل نزاعًا، وتبحث عن دواء، ثم تعود لتطبخ وتعتني بالأطفال. هذا التداخل بين الأدوار يخلق ضغطًا نفسيًا كبيرًا، لكنه لا يظهر في الإحصاءات.معظم النساء اللواتي تحدثنا إليهن لا يصفن أنفسهن بالقويات، بل بالمضطرات. القوة هنا ليست خيارا، بل نتيجة طبيعية لغياب البديل.
تعب بلا اعتراف
رغم هذا الدور المحوري، لا تحظى النساء باعتراف اجتماعي حقيقي. لا توجد حماية قانونية، ولا دعم نفسي، ولا تقدير علني. كثيرات يشعرن أن المجتمع اعتاد على عطائهن، ويتعامل معه كأمر طبيعي.
تقول أم فاطمة” لموقع الوعل اليمني” إن الجميع يأتي إليها وقت الحاجة، لكن حين تمرض أو تتعب، لا أحد يسأل. هذا الشعور بالتعب الصامت يتكرر في معظم الشهادات. المسؤولية كبيرة، لكن الدعم محدود ,الأخطر أن هذا الوضع قد يتحول إلى قاعدة دائمة، تحمل فيها النساء عبء الانهيار دون أن يسأل أحد عن سبب هذا الانهيار.
تقارير ناقصة
معظم التقارير التي تتناول النساء في اليمن تركز على العنف أو الفقر أو الاحتياج. هذه قضايا حقيقية، لكنها لا تعكس الصورة كاملة. نادراما تذكر أدوار النساء كفاعلات اجتماعيات، يدِرن الحياة اليومية ويمنعن الانهيار الكامل ,غياب هذا الجانب من التغطية يجعل السياسات والبرامج قاصرة. حين لا يرى الدور، لا يدعم. وحين لا يدعم، يتحول إلى عبء إضافي.النساء في مناطق الحوثيين لم يخرجن إلى الشارع مطالبات بدور جديد. الواقع هو من دفعهن إليه. في غياب الدولة والمؤسسات، أصبحن خط الدفاع الأخير عن تماسك المجتمع. هذا الدور يستحق أن يفهم ويوثق، لا أن يستغل أو يترك في الظل ,السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن قدرة النساء على الصمود، فقد أثبتن ذلك، بل عن مسؤولية من ترك هذا الفراغ، وعن مستقبل مجتمع يعتمد على قوة نسائه دون أن يمنحهن الحماية أو الاعتراف.

5 خيارات أمام أوروبا لحماية غرينلاند من ترامب
خيارات إيران لو هاجمتها أميركا
الطفولة المؤدلجةالمعسكرات الصيفية الحوثية تصادر عقول الصغار
غزة تموت ببطء تحت الحصار والبرد: إبادة صامتة في خيام النزوح