عاد سؤال الإخوان والشرعية والإرهاب إلى الواجهة، مع إعلان الإدارة الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان في قائمة الإرهاب.
يأتي وضعهم على “القائمة الأمريكية للإرهاب”، خصوصا في ضوء الدور الكبير الذي لعبوه في أثناء طوفان الأقصى (وقبل ذلك على مدى أكثر من تسعة عقود) في دعم قضية فلسطين ومقاومتها، وإفشال مشاريع التطبيع والاختراق الصهيوني للمنطقة.
يحاول هذا المقال أن يجيب باختصار عن خلفيات التضييق والإقصاء والتشويه ونزع الشرعية والمطاردة التي يتعرض لها الإخوان في العالم العربي؛ هل لأنهم فعلا “إرهابيون” أو متطرفون أو يخدمون “أجندات أجنبية”، أم أن القراءة الموضوعية الهادئة تقول غير ذلك؟
أولا: لماذا الإخوان هم التيار الشعبي الأوسع في العالم العربي، وعلى مدى عشرات السنوات؟ ولماذا حيث توجد حريات وانتخابات نزيهة شفافة، عادة ما يفوز الإخوان في اتحادات الطلاب والنقابات المهنية (مهندسين، أطباء، معلمين..)، وفي الانتخابات النيابية، أو على الأقل يكونون منافسين أقوياء. هذه المؤشرات تجدها في مصر والأردن وفلسطين واليمن والكويت وتونس وليبيا.. كما ظهر في فترة “الربيع العربي”.
أليس ثمة ترابط بين حالة الاستبداد والتخلف، وتفشي الفساد، وتبديد المال العام وتغوُّل الصهاينة والأمريكان والنفوذ الخارجي، وتقديم المنافقين والمتسلقين للقيادة.. وبين محاربة هذا التيار؟!
والسؤال المنطقي: لو كان هؤلاء إرهابيين متطرفين، فالطبيعي أن يكونوا منبوذين من مجتمعاتهم وشعوبهم؛ ولكن الحقيقة أنهم يتمتعون بالقبول الاجتماعي وبالحاضنة الشعبية الأوسع، بما ينفي تماما تهم الإرهاب والتطرف.
ثانيا: إذا كانوا تيارا متخلفا ومتعصبا ومنغلقا، فلماذا تمكنت جماعتهم من التجدد والاستمرار على مدى مئة عام؟! ولماذا هم التيار الأكثر حضورا في أوساط الشباب والطلاب؟ ولماذا كلما طاردتهم الأنظمة وشوهتهم ونكّلت بهم، تمكنوا من البقاء ثم استعادة زمام المبادرة وريادة الناس في أول فرصة لانفتاح البيئات السياسية على أجواء الحرية؟! لو لم تكن لديهم رسالة يحملونها، ونماذج يُقتدى بها وتفرض احترامها، وبرامج جادة لخدمة الأمة والمجتمع وتُعبِّر عن تطلعات الناس لما أمكن لهم البقاء والتجدد والريادة.
ثالثا: تيار الإخوان وعلى مدى السنوات المائة الماضية حظي باحترام وتقدير علماء الأمة الثقات، وانتمى لهذا التيار عشرات آلاف العلماء من خريجي الأزهر وكليات الشريعة العريقة في السعودية والخليج وشمال أفريقيا وبلاد الشام والعراق.. ونشروا العلم الشرعي وعقيدة أهل السنة والجماعة، ونافحوا عن الأمة وقضاياها، وعبروا عن نبض شعوبها.. وكتبهم وخطبهم ودروسهم ومواعظهم تشكل بمجموعها المراجع الأكثر والأوسع والأهم لقضايا الأمة المعاصرة من منظور إسلامي. فهل يمكن لجهة “إرهابية متطرفة” أن تكون كذلك؟!
رابعا: لماذا عندما يتعلق الأمر بالأنظمة الفاسدة والمستبدة والشمولية والديكتاتورية، والمطبِّعة مع الكيان الصهيوني، أو الواقعة تحت النفوذ الغربي، فإن التيار الأكثر تعرُضا للقمع والاضطهاد والمطاردة والتجريم ونزع الشرعية والاستبعاد عن مراكز القرار وحتى الوظائف.. هو تيار الإخوان؟!
هل لأنهم إرهابيون؟! أو غير وطنيين؟! أم إنهم في الحقيقة الجهة الأكثر تمثيلا لنبض الجماهير، وتطلعاتها في النهضة والتغيير.. والتي تخشى منها تلك الأنظمة في أي استحقاقات لانتخابات حرة تُفرز الممثلين الحقيقيين للشعوب؟ ولماذا تنفق تلك الأنظمة الفاسدة المليارات في التشويه الإعلامي للإخوان وفي شراء الذمم، كما تُغلق الأبواب في وجه الإخوان للدفاع عن أنفسهم؟ ولماذا توظف تلك الأنظمة المليارات لأجهزتها الأمنية لملاحقة تيار الإخوان، ومنعه من التواصل الطبيعي الحر العادل مع الناس؟
خامسا: تيار الإخوان هو أكبر تيار شعبي عربي، يحوي مئات الآلاف من الأطباء والمهندسين والمعلمين والمحامين والعلماء في شتى التخصصات؛ وأكثر التيارات انتشارا في أوساط المتعلمين والنخب المثقفة، بما في ذلك خريجو الجامعات الأوروبية والأمريكية وغيرها (وإن كانوا تعرضوا لمزيد من التضييق والانحسار القسري في السنوات الماضية). وهم التيار الشعبي الأقدر على تقديم الخبرات والكفاءات القادرة على خدمة المجتمع وإدارة الدولة. هذا يحدث مع أنّهم أكثر تيار يتعرض للتضييق في العمل وسبل العيش، بل إنّ عددا من الأنظمة العربية تعتبر عدم الانتماء لهذا التيار شرطا للعمل الوظيفي وشهادة “حسن سلوك” للمتقدم.
تُرى.. أليس ثمة ترابط بين حالة الاستبداد والتخلف، وتفشي الفساد، وتبديد المال العام وتغوُّل الصهاينة والأمريكان والنفوذ الخارجي، وتقديم المنافقين والمتسلقين للقيادة.. وبين محاربة هذا التيار؟! وإذا كان تيار الإخوان “جاهلا” أو “إرهابيا” أو “متخلّفا”.. فما المصطلح الأنسب لإطلاقه على التيارات الحاكمة وحاشياتها التي جعلت الأمة في أضعف وأسوأ حالاتها وأكثرها تمزّقا وتبعية؛ والتي ضيَّعت فلسطين، وحاربت المقاومة وحاصرتها، وتعاونت مع أعدائها.
سادسا: يحلو للأنظمة العربية المستبدة والشمولية أن تحكم دون انتخابات حرة، أو بغطاء انتخابات مزورة جرت هندستها في أروقة الأجهزة الأمنية؛ ويحلو لها أن تُحكم سيطرتها على كلّ مفاصل الدولة وأن تحاسب الناس حتى على أنفاسهم.
في المقابل، عندما أُتيحت للإخوان فرصة المشاركة في انتخابات حرة ونزيهة، كما حدث في بعض بلدان “الربيع العربي”، وعندما فازوا بثقة الجماهير أو كانوا الحزب الأول، لم تُتح لهم فرصة الحكم وتنفيذ برنامجهم “وفق النظام الديمقراطي”، وإنما انهالت عليهم اتهامات “الأخونة” وتعرّضوا لحرب إعلامية هائلة، كما تعرّضوا للإفشال والتعطيل من مؤسسات الدولة العميقة، ومن الدول الإقليمية ومن أمريكا وحلفائها، وتمّ ضخّ الأموال الخارجية لدعم معارضيهم، بالرغم من أنّهم في أغلب الأحيان دخلوا في شراكات وتحالفات مع قوى أخرى، وكانوا منفتحين على كافة أشكال التعاون؛ كما حدث في مصر وتونس واليمن.. ثُمَّ تمّ إلصاق مسؤولية فشل وتخلّف وفساد وتَعفُّن مؤسسات الدولة طوال سبعين سنة بهم، بعد بضعة أشهر من شراكتهم في الحكم. ثم تمّ إسقاطهم والانقلاب عليهم بدعم إقليمي ودولي، ومطارتهم واعتقال عشرات الآلاف من رجالاتهم، أو حلّ مؤسساتهم وأحزابهم وجمعياتهم.. ثم يأتون ليحدّثوك عن “إرهاب الإخوان”؟!!
سابعا: تيار الإخوان هم أكثر التيارات تفاعلا مع قضايا الأمة، وحيثما توجد هوامش حرية في العالم العربي تجدهم الأكثر تفاعلا مع قضية فلسطين وهموم المسلمين في كلّ مكان، وتجدهم يقودون المظاهرات، ويجمعون التبرعات، وجمعياتهم الخيرية هي الأكثر نشاطا وتنظيما، كما يتفاعلون من خلال النقابات المهنية والعمل الإعلامي والسياسي والتعبوي وغيره. وربما خفّ دورهم في السنوات الماضية بعد الهجمة المرتدة على الربيع العربي، لأنّ الأنظمة زادت من التضييق عليهم، وأغلقت الأبواب في وجوههم، هذا بخلاف الأنظمة التي جرَّمتهم ووضعت قادتهم وكوادرهم في السجون.
ثامنا: بالرغم من شدة الترصُّد والتتبع لأي هفوات للإخوان، إلا أنهم بشكل عام عندما قادوا أو شاركوا في الحكم والعمل السياسي، والعمل النقابي، عُرفوا بنظافة اليد والحرص على المال العام، وعفة اللسان، وعدم استخدام المواقع للانتقام من الخصوم. وهذا مؤشر يسجل لصالحهم مقارنة بغيرهم.
تاسعا: يظهر أن مشكلة الإخوان الحقيقية مع الأنظمة ومع الصهاينة والأمريكان وغيرهم ليست في “تطرفهم” أو “إرهابهم” لأنهم ببساطة ليسوا هذا ولا ذاك، المشكلة الحقيقية بالنسبة لأعدائهم وخصومهم هي في “اعتدالهم”!! لأن الاعتدال هو القوة الأكثر جاذبية للجماهير. “المشكلة” أنهم يقدمون نموذجا إسلاميا تغييريا حضاريا مستقلا عن التبعية للغرب، رافضا للفساد والاستبداد في بلداننا، ويتمتع بدينامية عالية متفاعلة مع الواقع ومع قضايا الناس وهمومهم، ولديهم عشرات الآلاف من الكفاءات والخبرات المستعدة لخدمة وطنها وأمتها. “المشكلة” أنهم يعبرون عن الهوية الحقيقية لشعوب المنطقة وروحها الإسلامية وعمقها الحضاري التاريخي، وتطلعاتها لاستعادة الريادة والقيادة، وعزتها وكرامتها، وتحرير أرضها ومقدساتها. “المشكلة” أنهم أثبتوا مصداقيتهم في فلسطين وفي باقي البلدان، وتعرضوا للحصار والمطاردة والسجن والقهر، وظلوا ثابتين على مبادئهم.. فزاد احترام الناس لهم. “المشكلة” باختصار أنهم شكلوا بديلا شعبيا مقبولا تخشاه الأنظمة، كما تخشاه القوى الغربية الكبرى والكيان الصهيوني.
يجب على الإخوان أن يقوموا بعمليات تقييم ومراجعة حقيقية وجادة لتجربتهم، وعلى مختلف المستويات، وعليهم أن يستفيدوا من الانتقادات والملاحظات التي تُوجَّه لهم
عاشرا: هل يمكن الحديث عما يُسمى “إرهاب الإخوان” دون الحديث عما يُسمى بـ”إرهاب الدولة”؟! ومتى يكون الإرهاب “إرهابا”؟ ومتى يكون استخداما مشروعا للقوة أو لحق الدفاع عن النفس؟ أو أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر؟ وهذه قضية واسعة وشائكة لسنا هنا بصدد تحليلها وتفكيكها؛ ولكننا في سياق مقالي سريع نتساءل هل حركة جماهيرية تملك مئات الآلاف من الأعضاء (كما في مصر)، وبدرجات متفاوتة من الالتزام والمسؤولية أن تكون مسؤولة عن تصرفات أو مسلكيات شخصية لأعضاء فيها دون علم قيادتها ودون إقرارها ولا بغطاء منها، خصوصا إذا كان السلوك نفسه يخدم خصومها وأعداءها. وماذا لو كان مَن فعل ذلك عميلا مدسوسا للأجهزة الأمنية، أو شخصا ملتزما مخلصا ولكنه تصرف باجتهاده وحماسته وسذاجته أو سوء حساباته، وربما تعمّدت الأجهزة الأمنية تركه يعمل حتى يقع في “المصيدة” وحتى تجد لنفسها مبررا لضرب الجماعة ومحاولة اجتثاثها؟! لماذا لا تتم المحاسبة عن الخطأ أو الجُرم بقدره، وبحسب ظروفه وملابساته، وبالطريقة نفسها التي تُعامل بها القوى والأحزاب والمؤسسات الأخرى؟
حادي عشر: الإخوان المسلمون بشر لهم أخطاؤهم ونقاط ضعفهم، مثل أي تيّار أو تنظيم واسع ولديه أعداد كبيرة من الأعضاء، ويتفاعل مع الواقع، ويتعرض للضغوط والاختراقات الأمنية والمطاردات، كما يتعرض أعضاؤه للمغريات والاضطهادات. وأداؤهم الدعوي والسياسي والتربوي والجهادي والإصلاحي يختلف من بلد إلى آخر، كما تختلف كفاءاتهم وقدراتهم وخبراتهم بين مكان وآخر، وتتسع مساحات العمل لهم وتضيق عبر الزمان والمكان والظروف.. وهم ليسوا ملائكة.. والضغوط التي تعرضوا لها خصوصا في السنوات الـ15 الماضية كانت هائلة، وتسببت في تَعثُّر أعمالهم في العديد من الأماكن مع محاولات تشويه كبيرة لصورتهم. ولذلك، لا ينبغي أن يُحكم عليهم فقط من خلال الواقع الحالي، وإنما من خلال أدائهم العام في مجمل العالم العربي والإسلامي على مدى عشرات السنوات.
في المقابل، يجب على الإخوان أن يقوموا بعمليات تقييم ومراجعة حقيقية وجادة لتجربتهم، وعلى مختلف المستويات، وعليهم أن يستفيدوا من الانتقادات والملاحظات التي تُوجَّه لهم، فليس كل أسباب مشاكلهم ومظاهر ضعفهم خارجية؛ ولعل هناك الكثير مما ينبغي عمله تنظيميا وقياديا ودعويا وسياسيا ونهضويا، لمواكبة التطورات ومواجهة التحديات وتقديم الحلول.


على ضوء خطوة خالد بحاح: استقالات أم انشقاقات؟
تعز تشتعل… وحكومة التحرير ما تزال مؤجَّلة
لماذا لا نزال بحاجة إلى القانون الدولي حتى حين يُنتهك ويُهمش؟