من إدارة المعاناة إلى بناء الاستقرار: اليمن ومساره الجديد

بقلم :د. علي العسلي

أقول هذا بوعيٍ كامل، واستنادًا إلى معطيات ووقائع ملموسة على الأرض، بعد العنتريات الأخيرة: القادم أفضل بإذن الله.
ليس لأن الأزمات انتهت، ولا لأن الجراح التأمت، بل لأن مسارًا جديدًا بدأ يتشكّل، ولأن إرادة سياسية جادّة قررت نقل اليمن من إدارة المعاناة إلى الشروع في بناء الاستقرار الفعلي.

التحول اليوم لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة إنسانية ووطنية. فبدل الحروب والدمار، تُفتح أبواب استعادة المؤسسات وضبطها، وتقديم الخدمات للمواطنين، إلى جانب الإعمار وتحسين البنى الأساسية وخلق فرص العمل، ودمج اليمن في محيطه الطبيعي، بما يفضي إلى حياة أكثر كرامة للمواطن اليمني.

اليمنيون مرهقون من سنوات الحرب، وقد فقدوا الثقة بالشعارات الكبيرة والعنتريات الفارغة. ومن هنا، يصبح واجب القيادة السياسية والنخب، بمساندة المملكة التي تحملت المسؤولية لإنقاذ يمننا الجريح، أن تخاطبهم بصدق ومسؤولية، بلا تهوين ولا تهويل، وبلا تجميل للواقع.

وبدعم الأشقاء في المملكة، تستعيد الدولة هيبتها ببطء، لكنها تتعافى. الخدمات ما تزال دون المستوى المأمول، لكنها تتحسّن. الرواتب غير منتظمة، لكنها صُرفت للعسكريين، مع ضرورة توحيدها وانتظامها.

والكهرباء، التي كانت أزمة يومية خانقة، شهدت تحسنًا ملموسًا في عدن وعدد من المحافظات، مع تراجع واضح لساعات الإطفاء. ورغم أن الدولة لم تستعد حضورها الكامل بعد، ولا تزال بقايا التعطيل قائمة في بعض المفاصل، فإن ذلك يستدعي إنفاذ القانون لا التراخي.

ومع ذلك، فإن تجاهل التحولات الجارية يُعد ظلمًا للواقع؛ فاليمن لم يعد ملفًا منسيًا أو عبئًا مؤجّلًا، بل مشروع استقرار قيد التشكل، يتطلب من الجميع الترفع عن المصالح الضيقة والنظر إلى الاتجاه العام لا التفاصيل المعزولة.

وحين يُناقَش الملف اليمني على طاولة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، فإن ذلك يعكس إدراكًا استراتيجيًا بأن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من استقرار المملكة والمنطقة.

جوهر التحوّل
المملكة لم تعد تتعامل مع اليمن كأزمة طارئة، بل كدولة يجب إنقاذها وتمكينها. وقد انعكس ذلك بوضوح في انتقال الدعم من الطابع الإسعافي المؤقت إلى مسار اقتصادي وخدمي وأمني أكثر تنظيمًا، يشمل دعم الموازنة العامة، وتشغيل محطات الكهرباء، وتحسين الخدمات الأساسية، وربط ذلك بإصلاحات مالية ونقدية تستهدف تثبيت الاستقرار واستعادة الثقة بالاقتصاد.

وتسير هذه الإجراءات والإنجازات على الأرض تحت إشراف فريق سعودي متميز، برئاسة اللواء فلاح بن محمد الشهراني. ففي ملف الكهرباء، لا معجزات، لكن تحسنًا حقيقيًا وملموسًا.

وفي الجانب الأمني، شهدت عدن وعدد من المحافظات الأخرى خروج المعسكرات، وهو في الحقيقة أهم إنجاز أمني، ونطالب بتعميمه على كل المدن اليمنية. كما شهدت عدن تراجعًا نسبيًا في المظاهر المسلحة، وبداية خطوات عملية نحو تمدين العاصمة واستعادة فكرة النظام وهيبة الدولة، رغم هشاشة الوضع.

كما أن عودة العلم الجمهوري إلى المؤسسات الرسمية، ووقف الخطابات التحريضية، ليست تفاصيل هامشية، بل رسائل سيادية واضحة في معركة الوعي واستعادة الرمزية الوطنية. وتتعامل المملكة بمشرط الجراح الماهر، من خلال لمّ الأخوة في المحافظات الجنوبية والشرقية والاستماع إلى مطالبهم ومشاغلهم في المشاورات الحالية بالرياض، والتي سينبثق عنها حوار جنوبي–جنوبي لتخفيف حدة الاحتقان الذي استُغِل لخدمة أجندات خارجية.

وقد عبّرت المواقف السعودية الأخيرة عن هذا التوجّه بوضوح، من خلال تصريح لوزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، الذي أكد أن العلاقة مع دولة الإمارات العربية المتحدة تمثل أولوية بالغة الأهمية للاستقرار الإقليمي، وأن المملكة حريصة على بناء علاقات قوية وإيجابية مع الإمارات بوصفها شريكًا رئيسيًا ضمن مجلس التعاون الخليجي. وأشار إلى وجود اختلافات في الرؤى بشأن اليمن، وأن قرار دولة الإمارات الانسحاب – إذا تم بشكل كامل – سيجعل المملكة تتحمل مسؤولية المرحلة، معتبرًا ذلك أحد الأسس الرئيسية لضمان استمرار العلاقة القوية والمتواصلة بين البلدين، بما يخدم مصالح المنطقة كافة.

إنها مقاربة هادئة ومسؤولة، تُترجَم فيها الأقوال إلى أفعال على الأرض، لا تُترك للاستهلاك الإعلامي. وقد تزامن ذلك مع دعم مباشر حسّن خدمات الكهرباء والمياه في عدن، وأعاد قدرًا من الثقة للمواطنين، فيما انزعج المتضررون من إغلاق منافذ الفساد.

والأهم، استمرار الدعم السعودي عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بحزمة مشاريع تتجاوز 1.9 مليار دولار، تؤكد أن اليمن يُنظر إليه كشريك مستقبلي لا كعبء دائم.

من هنا، يجب رفع سقف الطموح. فاقتراب اليمن من محيطه الخليجي لم يعد شعارًا عاطفيًا، بل مسارًا واقعيًا يبدأ باستعادة الدولة وتحسين حياة الناس.

لسنا في نهاية الطريق، لكننا لم نعد في النقطة نفسها.
المسار تغيّر، ومن يغيّر المسار، يملك – بإذن الله – أن يغيّر المصير، ويؤسس لمستقبل آمن ومستقر ومتطور.

Exit mobile version