حين تمرّ الأحداث الجِسام مرور الكرام… من يحاسب ممولي الفوضى؟

بقلم :د. علي العسلي

ينتاب المرء شعور بالغصّة وهو يراقب أحداثًا تهزّ كيان الدولة، تمرّ بلا مراجعة أو مساءلة، كأنها لم تحدث، أو كأن آثارها لا تستحق حتى السؤال عن المسؤولية. ما جرى قبل وبعد محاولات التمدّد العسكري والسياسي في حضرموت والمهرة من قِبل الزبيدي ومجلسه الانتقالي لم يكن مجرد خلاف عابر، بل كان مسارًا متكاملًا من القرارات والتعيينات والتحركات التي استهدفت مفاصل اقتصادية وأمنية حساسة، ليختتم المشهد بعد ذلك دون تفكيك جذوره أو مساءلة أدواته ومموّليه.

وفي هذا السياق، جاءت تغريدة عيدروس الزبيدي في 10 فبراير 2026 بخطاب تعبوي صريح يدعو إلى الاصطفاف حول مشروع سياسي منفصل، في لحظة حرجة بالغة الهشاشة. لم تكن كلمات عابرة، بل شكلت إشارة إنذار حقيقية أعادت تنشيط الاحتقان الشعبي والسياسي، ورافقها تحشيد ودعوات للتظاهر وفعاليات ميدانية أسهمت في انفجار الفوضى وسقوط أرواح في شبوة هذا الأربعاء. وما يزيد الوضع خطورة هو احتمالات امتداد الدائرة إلى محافظات أخرى في الأيام المقبلة، مع استمرار الدعوات للتحشيد، مما يجعل كل يوم تأجيلًا للمساءلة والتعامل الجاد مع هذه التحركات إمكانية لتفاقم الأزمة وفقدان السيطرة على الأمن والاستقرار الوطني.

وهنا، لم يعد السؤال مجردًا سياسيًا بحتًا، بل أصبح سؤالًا أخطر:

من يمول الفوضى؟

جوهر القضية اليوم لا يكمن في توصيف الصراع فقط، بل في استمرار وجود مواقع النفوذ العسكري الميليشياوي المدعوم ماليًا من دولة الإمارات، ومن الحصائل الناتجة عن السيطرة على المؤسسات الإيرادية وقرارات انتُزعت بالقوة. هذه القرارات لا ينبغي أن تبقى خارج دائرة المراجعة، نظرًا لارتباطها المباشر بـ تقويض مؤسسات الدولة واستنزاف مواردها، وتعريض استقرار اليمن ومستقبل مواطنيه للخطر.

لقد أثارت التعيينات الصادرة خارج الأطر القانونية جدلًا واسعًا، ليس لأنها تجاوزت الصلاحيات فحسب، بل لأنها مست مواقع سيادية في لحظة تعجز فيها الدولة عن دفع الرواتب وتكاد تفقد القدرة على إدارة الحد الأدنى من الخدمات.

وإذا كان الرأي القانوني قد انتهى إلى بطلان تلك القرارات وصاحبها، فإن مجرد الإبطال الشكلي لا يجيب عن السؤال الأعمق:

أين ذهبت الموارد؟
من صنع الشبكات التي نشأت بفعل هذه القرارات؟
ومن استخدم المال العام وقودًا للصراع بدل أن يكون أداة للاستقرار؟

هذه الأسئلة تكشف عمق الأزمة، وتسلط الضوء على العجز في المحاسبة والمسؤولية، الذي أصبح يشكل خطرًا على استقرار الدولة ومستقبل المواطنين.

إبطال القرار خطوة ضرورية… لكنه لا يكفي. فالمال الذي يتحرك بلا رقابة يستطيع دائمًا أن يصنع فوضى جديدة بأدوات مختلفة.

وتبدو معركة الحكومة اليوم مالية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها معركة على شكل الدولة نفسها: معركة توحيد الإيرادات. خلال سنوات الحرب، تحولت الموارد العامة إلى مراكز نفوذ محلية، لكل منطقة صندوقها وقرارها، بينما بقيت الحكومة عاجزة عن الإيفاء بأبسط التزاماتها.

ولهذا لم يعد المجتمع الدولي يربط أي دعم اقتصادي بالوعود، بل بشرط واضح: أن تستعيد الدولة مالها أولًا.

غير أن هذه المواجهة تصطدم بشبكات مصالح ترى في الإيرادات مصدر بقاء سياسي وأمني، ما يجعل نقلها إلى البنك المركزي اختبارًا حقيقيًا لوجود الدولة من عدمه. وهنا يتجاوز الاقتصاد الأرقام ليصبح سؤال سيادة.

وتزداد خطورة الصورة حين تُستحضر الوقائع المالية المنشورة حول الأموال التي جُمعت خارج إطار الموازنة؛ إذ تشير تقارير موثقة إلى جبايات شهرية ضخمة من الوقود والموانئ والنقل والحاويات، بلغت نحو 30 مليار ريال يمني شهريًا. مليارات كانت كفيلة بتغطية جانب كبير من رواتب موظفي الدولة وتخفيف الانهيار المعيشي، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.

لا خدمات تحسّنت…
لا رواتب استقرّت…
لا اقتصاد تعافى…

بل ارتبط جزء من هذه الكتلة المالية بتحويلات إلى العملات الأجنبية أضافت ضغطًا مباشرًا على سعر الصرف وأسهمت في تسريع انهيار العملة.

وحين يتحول المال العام من أداة إنقاذ إلى عامل انهيار، تصبح المساءلة ضرورة بقاء، لا ترف سياسة. الأكثر قلقًا أن بعض الوجوه المرتبطة بالبنية الاقتصادية لتلك المرحلة ما تزال حاضرة داخل مؤسسات مالية ومصرفية مؤثرة، دون تحقيق معلن أو مراجعة شفافة، رغم ما يُثار حول دورها في تمويل تحركات سياسية وإعلامية وتحريك الشارع في لحظات التوتر.

وهنا لا يعود الصمت حيادًا إداريًا… بل يتحول إلى مخاطرة تمس جوهر فكرة استعادة الدولة.

تتكرر الخطابات عن الشراكة والشفافية والعمل الجماعي داخل مؤسسات الشرعية، وهي عناوين مطلوبة بلا شك، لكن الاختبار الحقيقي لأي خطاب ليس في لغته… بل في قدرته على إنتاج المساءلة.

فلا معنى للشفافية إذا بقي المال خارج الرقابة،
ولا قيمة للشراكة إذا ظل النفوذ بلا حساب،
ولا وزن لأي بيان إن لم يتحول إلى قرار يعيد للدولة سلطانها على مواردها.

يبقى السؤال الذي يتجنبه الجميع معلّقًا فوق المشهد:

من موّل الفوضى في المناطق المحررة؟
ومن وفّر غطاءها الاقتصادي والإعلامي؟
وهل يمكن بناء دولة بينما تبقى أدوات تقويضها داخل مؤسساتها نفسها؟

تجاهل هذه الأسئلة لا يصنع استقرارًا… بل يؤجّل الانفجار. فالتاريخ السياسي يقول بوضوح: الفوضى التي لا تُحاسَب تعود دائمًا بصورة أشد قسوة.

ليست المأساة في وقوع الأحداث الجسيمة…
بل في أن تتحول إلى أمر مألوف يمر بلا حساب.
وحين يعتاد الناس غياب المساءلة… تبدأ الدولة بفقدان معناها قبل أن تفقد مؤسساتها.

لهذا فهذه اللحظة ليست لحظة بيانات جديدة… بل لحظة حسم قانوني ومالي يكشف الحقيقة كاملة ويضع حدًا لاقتصاد الفوضى.

فالدول لا تسقط عندما تشتد الصراعات…
بل تسقط عندما يُترك ممولو الفوضى بلا حساب ولا تغيير.

Exit mobile version