بقلم :د. علي العسلي
ليست فكرة «صناعة النموذج» عبارةً إنشائية تُقال في مستهلّ الاجتماعات الرسمية، بل هي مفهومٌ سياسيٌّ وإداريٌّ عميق يرتبط بقدرة الدولة على تقديم مثالٍ حيٍّ قابلٍ للتصديق في الحكم الرشيد، والكفاءة المؤسسية، والعدالة الاقتصادية؛ وهي العناصر التي تجعل المواطنين يرون الدولة واقعًا يوميًا لا شعارًا معلّقًا في الخطابات. فالنماذج في تجارب الأمم لا تُبنى بالكلمات، وإنما بتراكم الأداء، وانضباط القرار، واتساق المؤسسات، ووضوح العلاقة بين السلطة والمجتمع، بحيث يصبح الإنجاز الملموس هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الناس.
وعند البحث في معايير صناعة أي نموذجٍ ناجح، تتقدّم جملةٌ من العناصر الحاكمة: قيادة تمتلك رؤية واضحة قابلة للتنفيذ، ومؤسسات تعمل بروح الفريق لا بعقلية الجزر المعزولة، ونظام مالي منضبط يربط الموارد بالأولويات، وأمنٌ يحمي القانون لا مراكز النفوذ، وخدمات أساسية يلمسها المواطن قبل أن يسمع عنها، ثم شفافية تتيح للمجتمع مراقبة الأداء ومساءلته. هذه العناصر مجتمعة هي التي تحوّل الدولة من فكرةٍ سياسية إلى تجربةٍ معيشة، ومن سلطةٍ متنازعٍ عليها إلى مرجعيةٍ جامعة.
واليمن، بتاريخ دولته العميق ووعي مجتمعه الحيّ، بيئةٌ قابلةٌ للالتفاف حول نموذجٍ كهذا متى تجسّد في الواقع. وقد أظهرت التجربة القريبة في عدن أن تحوّل الخطاب إلى خدمةٍ ملموسة—في الكهرباء والرواتب وتنظيم المدينة وإبعاد مظاهر العسكرة—كفيلٌ بإحداث ارتياحٍ شعبيٍّ سريع، وبعث رسالةٍ صامتة مفادها أن الدولة حين تحضر بالفعل لا تحتاج إلى كثير خطاب. وهذه البوادر، على محدوديتها، تكشف أن الطريق إلى الثقة ليس مغلقًا، بل ينتظر إرادةً متماسكة واستمرارًا لا ينقطع.
في هذا السياق يمكن قراءة حديث رئيس مجلس القيادة الرئاسي في الاجتماع الأول للحكومة الجديدة بوصفه محاولةً لتأسيس المعنى الشامل للنموذج، لا مجرد ترتيبٍ لأولوياتٍ إجرائية. فقد وضع استعادة ثقة المواطنين، وصناعة النموذج، وهزيمة المشروع الحوثي ضمن معادلةٍ واحدة، بما يؤكد أن المعركة لم تعد عسكريةً خالصة، بل أصبحت معركة شرعية الأداء وقدرة الدولة على تقديم بديلٍ أفضل. وهي قراءةٌ تنسجم مع حقيقة الصراع اليمني نفسه، حيث سبق تآكلُ الثقة سقوطَ المؤسسات، فجاء الانقلاب نتيجةً لا سببًا وحيدًا.
ويكشف التركيز على الاقتصاد والانضباط المالي وحماية العملة ودفع الرواتب إدراكًا عميقًا بأن معيار الدولة الحقيقي عند الناس هو قدرتها على تخفيف المعاناة اليومية. فالمواطن لا يقيس الشرعية بالشعارات، بل باستقرار السعر، وانتظام الراتب، وتوفّر الخدمة. ومن هنا يغدو كبح التضخم، وتوريد الإيرادات، ومنع الاستنزاف المالي شروطًا سياسية بقدر ما هي اقتصادية، لأنها تعيد تعريف الدولة بوصفها راعيةً للمصلحة العامة لا ساحةً لتقاسم النفوذ.
أما في المحور الأمني، فإن صناعة النموذج لا تعني استعراض القوة، بل ترسيخ سيادة القانون، والانضباط المؤسسي، وصون كرامة الناس في تحركاتهم وداخل بيوتهم ومؤسساتهم. فالأمن الذي يبعث الطمأنينة في المجتمع يوميًا هو وحده القادر على حماية أي إصلاح اقتصادي أو سياسي، بينما الفوضى والسلاح المنفلت—مهما تزيّنا بالشعارات—يقوّضان فكرة الدولة من جذورها. ومن ثمّ فإن الانتقال إلى العمل الاستباقي، وضبط السلاح، وتجفيف منابع الجريمة، ليست مجرد تفاصيل أمنية، بل شروط تأسيسٍ حقيقية لقيام الدولة ذاتها.
غير أن التحدي الحاسم لا يكمن في وضوح الرؤية، بل في قدرة الحكومة ومجلس القيادة وبقية مؤسسات الدولة على العمل مجتمعةً من داخل العاصمة المؤقتة عدن، بروحٍ منسجمة لا متنافسة. فالنموذج لا تصنعه حكومةٌ وحدها، بل منظومة حكمٍ كاملة تتكامل فيها الرئاسة والبرلمان والشورى والأجهزة الرقابية والإعلام الحر، لأن الثقة العامة حصيلةُ انتظامٍ مؤسسي شامل لا إنجازٍ جزئي عابر. وأي اختلالٍ في هذا الاتساق كفيلٌ بتبديد الرسالة قبل أن تبلغ مداها.
ويبقى سؤال الزمن حاضرًا بإلحاح: كم تحتاج صناعة النموذج؟ تشير تجارب الدول إلى أن إشارات الثقة الأولى يمكن أن تولد خلال أشهر إذا ظهرت نتائج ملموسة، لكنها لا تترسّخ إلا عبر سنواتٍ من الاستقرار المتواصل. وفي الحالة اليمنية، قد يكون انتظام الرواتب، وتحسّن الخدمات في عدن، ووضوح القرار الاقتصادي، كافيًا لإحداث تحوّلٍ نفسي سريع يفتح الباب لتحوّلٍ سياسي أوسع، لأن المجتمعات تحسم خياراتها حين ترى الفارق بين نموذجين لا حين تسمع عنهما.
ومن هنا يتبدّى السؤال الجوهري: هل صناعة النموذج بديلٌ عن إنهاء الانقلاب أم طريقٌ إليه؟ والراجح أن المسارين متكاملان؛ فالقوة قد تُسقط انقلابًا لكنها لا تبني دولة، بينما النموذج الناجح قد يُنهي الانقلاب حين يفقد مبررات بقائه في وعي الناس قبل أن يفقدها على الأرض. وعند هذه اللحظة تتحول «صناعة النموذج» من شعارٍ سياسي إلى استراتيجيةٍ وطنية شاملة لاستعادة الدولة وإنهاء الحرب معًا.
غير أن الحقيقة الأشدّ وضوحًا أن النموذج ليس وعدًا يُعلَن، بل ممارسةٌ تُختبَر كل يوم. فإن نجحت الدولة في تحويل هذا المعنى إلى واقعٍ يعيشه المواطن في أمنه ومعاشه وكرامته، فإنها لن تستعيد الأرض فحسب، بل ستستعيد الإنسان اليمني ذاته؛ وذلك هو الانتصار الأعمق… والأبقى… والوحيد القادر على حماية المستقبل من تكرار المأساة.

كيف يرى الإسرائيليون نهاية دولتهم؟
فراغ المؤسسات: الصمت الذي يهدد الدولة
أسماء لا تُنسى: جدار الدموع لأطفال غزة في نيويورك
الإخوان والشرعية والإرهاب