الطفولة المؤدلجةالمعسكرات الصيفية الحوثية تصادر عقول الصغار

خاص

في صباح صيفي حار تقف ام يمنية عند عتبة بيتها تنظر الى ابنها الصغير وهو يحمل كيسا بلاستيكيا فيه دفتر وقلم وزجاجة ماء لا تعرف هل تودعه الى درس ام الى مصير لا تستطيع السيطرة عليه قلبها معلق بين خوفين الخوف من سلطة لا تقبل الرفض والخوف من فكرة ان يعود طفلها شخصا اخر في تلك اللحظة لا تفكر في السياسة ولا في الحرب تفكر فقط في شيء واحد ان يبقى طفلها طفلا

الاستقطاب من الباب الضيق
تبدأ عملية الاستقطاب بهدوء شديد لا تشبه الحملات العسكرية ولا الخطابات الصاخبة بل تأتي في شكل دعوة مدرسية او اعلان في المسجد او زيارة مشرف محلي للحي الحديث دائما ناعم في البداية معسكر ثقافي ترفيهي تعليم ديني انشطة صيفية مفيدة ثم تتغير اللهجة شيئا فشيئا من لا يسجل اسمه يلفت الانتباه من يتخلف يصبح محل سؤال بعض اولياء الامور في صنعاء وذمار واب يؤكدون ان اسماء الاطفال المتغيبين تُرفع وان الاسر تُسأل عن اسباب الغياب وكأن المشاركة تحولت من خيار الى التزام اجتماعي وسياسي

المدرسة كأداة
المدرسة التي يفترض ان تكون مساحة امنة للطفل تحولت الى قناة رئيسية للتعبئة يتم توزيع استمارات التسجيل داخل الفصول ويُطلب من المعلمين تشجيع الطلاب معلم سابق في ذمار يقول ان الادارة كانت تلمح لنا بان الطالب المتفاعل هو الطالب الملتزم وان من يرفض يوضع في خانة الشك هذا المناخ يحول التعليم من حق الى اداة ضغط ويزرع الخوف داخل البيئة المدرسية

الخيمة وما بداخلها
داخل المعسكر لا يشبه اليوم يوما دروس طويلة اناشيد جماعية خطب حماسية صور قتلى يطلق عليهم الشهداء ومفاهيم تقدم في قالب مبسط لكنها محملة بمعان ثقيلة مثل الجهاد والولاية والطاعة المطلقة لا توجد برامج نفسية ولا انشطة رياضية حقيقية كما يروج لها بعض المشرفين بل تركيز مكثف على خطاب واحد يكرر يوميا حتى يصبح مألوفا في ذهن الطفل

المعسكرات لا تقتصر على المراهقين بل تستهدف اطفالا في اعمار صغيرة بعضهم دون الثانية عشرة حقوقيون يؤكدون ان هذه المرحلة العمرية هي الاكثر عرضة للتأثر والاقل قدرة على التمييز تقارير اممية حديثة حذرت من ان الانشطة الصيفية في مناطق النزاع تستخدم كغطاء للتجنيد غير المباشر وهو ما ينطبق بوضوح على الحالة اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين

التطبيع مع العنف
أخطر ما في المحتوى المقدم هو تطبيع فكرة العنف يتم تقديم السلاح كرمز للقوة والشجاعة ويتم الحديث عن الموت باعتباره طريقا للمجد طفل في الخامسة عشرة من صنعاء يقول انهم كانوا يتحدثون عن القتال كما لو كان لعبة وان من يسأل اسئلة مختلفة يوصف بالضعيف هذا الخطاب يغير تصور الطفل للعالم ويجعله يرى العنف كخيار طبيعي

الاسر التي تحاول الرفض تدفع ثمنا متفاوتا اسرة في اب تروي ان ابنها تعرض للتنمر داخل المدرسة بعد وصفه بالمتخاذل اسرة اخرى في صنعاء تقول ان المشرف لوح بقطع مساعدات غذائية كانت تصلهم هذا الضغط يجعل كثيرين يرسلون ابناءهم وهم غير مقتنعين فقط لتجنب الاذى

البيت المنقسم
داخل البيت ينشأ صراع صامت اب يخشى العواقب وام تخشى ضياع الطفل ام تقول ارسلت ابني وانا اشعر انني اخونه لكنني لا املك الشجاعة لمنعه هذا الانقسام يخلق توترا دائما داخل الاسرة ويزرع في الطفل شعورا بالذنب والحيرة

طالب من ذمار انسحب بعد اسابيع يقول كانوا يطلبون منا كتابة ملاحظات عن بعضنا البعض شعرت انني مراقب طوال الوقت طالب اخر يقول عاد زملاؤه بلغة جديدة مليئة بالمصطلحات القتالية هذه الشهادات تكشف عن تحول نفسي وسلوكي سريع يثير القلق

الارقام والواقع
مصادر حقوقية يمنية تقدر اعداد المشاركين بعشرات الالاف سنويا مع توسع واضح خلال الاعوام الاخيرة منظمات دولية بينها اليونيسف اشارت في تقارير حديثة الى ارتفاع مخاطر تجنيد الاطفال بشكل غير مباشر عبر الانشطة التعليمية والثقافية في اليمن هذه الارقام لا تعكس فقط حجم الظاهرة بل عمقها

القانون الدولي يجرم تجنيد الاطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة لكن في الواقع اليمني لا توجد مساءلة حقيقية محامون وحقوقيون يؤكدون ان ادلجة الطفولة جريمة مركبة لأنها تنتهك حق التعليم وتدمر الصحة النفسية وتؤسس لعنف مستقبلي طويل الامد

الصمت والخوف
المجتمع المحلي يعيش حالة صمت قسري المنظمات المستقلة مغلقة والاعلام مقيد ما يجعل الشهادات الفردية هي الوسيلة الوحيدة لكشف ما يجري هذا الصمت يمنح الظاهرة فرصة للاستمرار والتوسع

اخصائيون نفسيون يحذرون من اثار بعيدة المدى القلق العدوانية فقدان الثقة صعوبات التركيز هذه نتائج رصدت لدى اطفال خضعوا لتعبئة ايديولوجية مكثفة دون اي دعم نفسي وهو ما يهدد مستقبل جيل كامل

محاولات حماية
رغم الخوف توجد مقاومة صامتة اسر تحاول حماية ابنائها عبر تعليم منزلي او انشطة بديلة داخل البيوت محاولات بسيطة لكنها تعكس رفضا داخليا ورغبة في الحفاظ على براءة مهددة

في صباح صيفي حار تقف ام يمنية عند عتبة بيتها تنظر الى ابنها وهو يغيب في طريق لا تعرف نهايته بين خوف من سلطة لا ترحم وخوف من مستقبل يُصاغ داخل خيمة لا تعرف اللعب ولا البراءة هذه ليست حكاية ام واحدة بل قصة طفولة كاملة تُؤدلج بالقوة واسر ممزقة بين الخوف والرفض وفي المنتصف يضيع حق بسيط لكنه جوهري ان يعيش الطفل طفلا لا مشروعا لحرب لا تنتهي

Exit mobile version